الشبكة العربية

الجمعة 24 يناير 2020م - 29 جمادى الأولى 1441 هـ
الشبكة العربية

أنكرني أبي وتجاهل وجودي وهو الآن على شفا الموت يريد أن أسامحه ؟

أمثال وحكم حول الأب
مساء الخير
أكتب لكم استشارة عاجلة، فربما سبق القدر وجاء الأجل...
فتحت عيني على الدنيا فوجدت أمي وجدي، ولم أكن أفهم وقتها ولم يكن إدراكي ووعيي قد تشكلا بعد. حينما دخلت الحضانة، ووجدت الأطفال الصغار في الثالثة والرابعة من العمر بصحبة والديهم سألت عن والدي، ولم أكن نطقت كلمة أبي. قالت لي أمي أنه مسافر. فهمت في الصفوف الأولى من المرحلة الإبتدائية، أنه يتم إستدعاء ولي الأمر حينما تحدث مشكلة كبيرة، وفهمت أن ولي الأمر عادة ما يكون الأب... فعاودت السؤال عن أبي، وعن موعد عودته، ولماذا يتأخر بينما يركب المرء الطائرة فيصل في ساعات قليلة. لماذا تستغرق عودته كل هذأ الوقت.
حينما بلغت العاشرة، إشترت لي أمي ساعة جميلة في عيد ميلادي، وحينما سألتني إحدى التلميذات عن هدية والدي، قلت لها أنه سيأتي لي بأجمل الهدايا حينما يعود من السفر. قالت لي أنها سمعت أمها تتحدث مع أمي، وفهمت أنهما إنفصلا. عدت للبيت باكية، وطلبت من أمي أن تصارحني بالحقيقة. تزوجت من رجل دبلوماسي، وسافرا معا دولة أوروبية، وعانت من سهراته وصخب الحياة هناك. وفي الإجازة التي تلت ولادتي، حدث شجار كبير إنفصلا على أثره. وإنتقلت للحياة مع جدي، الذي تولى مسؤولية تربيتي والإنفاق على تعليمي- بعد أن رفضت أمي الزواج لتتفرغ لتربيتي. لم يحاول والدي التواصل مع أمي من لحظة توقيع وثيقة الطلاق ولم يحاول السؤال عني بعدها. كبرت وتخرجت من الجامعة، تزوجت أول رجل طرق بابنا، كانت أمي ترغب في التخفف من ثقل يرهقها. وسافرت مع زوجي للعمل في دولة خليجية. لكن بعد زواجي وإنجابي، فهمت معنى الأسرة وأهمية وجود أب يحتوي ويحتضن أطفاله. بحثت عن والدي، لم يكن الأمر صعبا، سألت عنه في وزارة الخارجية. تزوج أبي وأنجب بعد طلاقه من أمي ونسي أن له إبنه تحتاجه، إبنه لم ينفق عليها قرشا واحدا، لم يصطحبها يوما في رحلة، لم يشتري لها مرة ملابس العيد، لم يحضر حفل تخرجها من الجامعة، ولم يقبلها في جبينها يوم زفافها ويوصلها لبيت عريسها..
كان اللقاء باردا جافا، ثم دعاني لبيته لكي أتعرف على إخوتي وقد تجاوزت الثلاثين من العمر! كانت علامات الثراء تظهر بوضوح عليهم وعلى البيت، ولم تكن هناك مقارنة ممكنة بحياتي البسيطة مع أمي. كنت استمع كثيرا للدروس الدينية، أهمية بر الوالدين، فحاولت جاهدة التواصل معهم - رغم غضب أمي- والمحافظة على صلة الرحم. لم أشعر أنه نادم على ما فعله معي ومع أمي، ولم يحاول تعويضي نفسيا او تعويض أمي ماديا عن الأيام التي لم تستطع فيها شراء حذاء جديد، او فستان جديد، لتذهب الى عملها متأنقة مثل بقية زميلاتها.
    إستيقظت امس على إتصال تليفوني من أخي الأكبر، يبلغني إصابة والدي بجلطة، وأنه في الرعاية المركزة في مستشفى من المستشفيات الكبرى. طلب مني أن أسامح أبي وأبلغ أمي أن حالته حرجة وأطلب منها أن تصفح عنه وتغفر كل ما سببه لنا من أذى...
أنا في حيرة من أمري، قلب أمي مجروح لأنها عانت الويلات لتوفير حياة كريمة لي، وإقترضت لكي تزوجني، كانت تدخر من قوتها لذلك الغرض. بينما يعيش إخوتي في ترف وسعة، دون أن يفكر مرة في طفلة أنجبها ورحل. حتى الحيوانات المفترسة ترعى صغارها! أخبرني إخوتي أن الله قد إقتص منه، وأنه دفع ثمن ما فعله بي وبأمي...أنا مستعدة أن أسامحه، ولكن كيف أطلب من أمي ذلك وقد أفسد حياتها وسرق زهرة شبابها ؟  أرجو سرعة الرد...
الرد...
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... سعدت برسالتك، بقدرتك عن العفو والصفح، برغبتك في البحث عن أب لم يتكلف عبء البحث عنك فبحثتي أنت عنه، لم يتقرب اليك، فتقربت أنت إليه... أب لم يمنحك شئ، ولم يعوضك بشئ... إبنتي، صحيح أنك حرمتي من حنان الأب، وافتقدتي رعايته، لكن الله عوضك بزوج حنون ودود، عوضك بدفء الأسرة.. لقد وهبك الله قلبا كبيرا وحساسية عالية، وذلك حال كل من رضي بقضائه ولم يسخط، ولم يعترض. فمشاعر الحقد والكراهية والغضب لا تؤذي إلا صاحبها..
إنتي الغالية... أعتقد أن لديك من الحكمة ما يسمح لك بعرض القضية على والدتك بطريقة لا تؤذي مشاعرها، ولا تسبب لها مزيدا من الجراح.. أنت بالفعل أقرب الناس إليها، وأكثرهم دراية بمفاتيح قلبها، فيمكنك أن تعرضي المسألة عليها بطريقة يسيرة، أخبريها أنه على وشك أن يلقى ربه، وأن عذابه لن يفيدها في شئ... ذكريها بقول الله تعالى:" وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم" وأن هذه درجة من درجات الإحسان :" والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"...
وأعتقد أن الإنسانة التي ربتك بكل هذا التجرد ورفضت أن تتزوج لتتفرغ لتربيتك، لن تبخل على إنسان يحتضر بكلمة تريح بها روحه المعذبة... أسأل الله أن يعوضها ويعوضك بوافر الصحة والعافية، وأن يرزقكما صحبة المصطفى في أعلى درجات الجنة.
 

إقرأ ايضا