الشبكة العربية

الأحد 09 أغسطس 2020م - 19 ذو الحجة 1441 هـ
الشبكة العربية

آيا صوفيا مرةً أخرى .. إلى المتشدقين بتصحيح العقيدة

حين أبدينا فرحتنا وسرورنا بقرار إعادة افتتاح مسجد آيا صوفيا ،فقد كان ذلك لأنا رأينا فيه تصحيحاً لوضع باطل مخالف لشرع الله عز وجل ، وذلك بغض النظر عمن أصدر ذلك القرار . ويعلم الله أنه لو كان هذا القرار قد صدر في عهد أي حكومة علمانية من الحكومات التركية السابقة ، لكنتُ أيضاً ممن يرحبون بذلك القرار ، بل ويشكرون تلك الحكومة عليه . ذلك أنا بحمد الله لا نسعى لإرضاء نظام ، ولا لإغاظة غيره ، وإنما هو الحق الذي ندور معه حيث دار . ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك ما حيينا .
وقد كنا نتوقع بطبيعة الحال أن تتخذ الحكومات الغربية ،ومعها الجهات الكنسية في الشرق والغرب موقفاَ مضاداً لهذا القرار.ولكن الذي لم نكن نتوقعه أن ينتفض أقوام ممن يزعمون الحرص على العقيدة الإسلامية ،مستنكرين هذه الخطوة ،منتقدين مَن أعلن سروره بها ،زاعمين فيما يزعمون أن بمسجد آيا صوفيا عدداً من قبور سلاطين آل عثمان .وعلى ذلك فإن هذا المكان يصير موضعاً شركياً لا تحوز الصلاة فيه .
والحق أن مثل هذا القول إنما ينم -إن أحسنا الظن بقائليه - على نوع من ضيق الأفق ، وعدم إلمام بالواقع ،إضافة إلى فقد القدرة على الموازنة بين المصالح والمفاسد ،كما يتبين ذلك مما يلي :  
1-بادئ ذي بدء لا بد أن أقرر أني عند زيارتي لذلك المسجد وتجولي فيه ،في بداية التسعينيات ،لم أرَ فيه أيَّ قبور ظاهرة ،لا في جهة القبلة ولا في غيرها . فإن كانت هناك قبور كما يزعمون فلعلها في أماكن خارجية ملحقة بالمسجد. وبنحو هذا أفادني أخي الدكتور صفاء العدوي نقلاً عن بعض إخوانه وتلاميذه ممن يثق بهم من الأتراك ، وذكر أن المذهب الحنفي السائد في تركيا يمنع الصلاة في المسجد الذي فيه قبر ،سواء كان القبر أمام المصلين أم خلفهم . فالقبور إن وجدت فستكون في الساحات بعيداً عن المصلى ، وأن ذلك هو النظام المتبع في المساجد التي يُلحق بها قبور في تركيا .
2-لكن حتى لو ثبت وجود تلك القبور بالمسجد ، فإن ذلك لا يعطي مبرراً لبقائه متحفاً ، بل يجب أن يعاد مسجداً كما كان ،مع مطالبة المسؤولين بإزالة تلك القبور منه ،وذلك لأن أولئك السلاطين المدفونين فيه ، لا يمكن أن يكونوا قد دفنوا فيه قبل كونه مسجداً ، بل هم بالبداهة قد دفنوا فيه بعد اتخاذه مسجداً .وقد نص العلماء على أنه في حالة ما إذا كان القبر هو الطارئ على المسجد ،فإن القبر يزال ، ويبقى المسجد مسجداً ، قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (3/ 572) : (  فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر ،بل أيهما طرأ على الآخر منع منه ،وكان الحكم للسابق ). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجموع (22/ 194) : ( فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر إما بتسوية القبر ، وإما بنبشه إن كان جديداً .وإن كان المسجد بني بعد القبر فإما أن يُزال المسجد ،وإما أن تُزال صورة القبر).
بل أفتى الشيخ ابن عثيمين بأنه إذا حدث القبر بعد المسجد ،ولم يمكن إزالته ،فإنه تصح الصلاة في ذلك المسجد ،بشرط ألا يكون القبر أمام المصلي ،وهذا نص كلامه رحمه الله -كما هو منشور بموقعه الرسمي نقلاً عن فتاوى نور على الدرب -: ( إذا بني المسجد على القبر وجب هدم المسجد، ولا تجوز الصلاة فيه حينئذٍ؛ لأنه مسجد محرم وعمارته بالصلاة مضادة لله ورسوله، فالواجب هدمه، وألا يصلى حول القبر، أما إذا كان القبر بعد المسجد؛ أي أن الميت دفن في المسجد، فإن الواجب نبش الميت ودفنه مع الناس، فإن لم يمكن ذلك، فإن الصلاة في هذا المسجد صحيحة؛ لأنه أنشئ إنشاءً صحيحاً سليما؛ ولكن لا يصلى خلف القبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تصلوا إلى القبور" . فمن صلى في هذا المسجد وليس القبر بين يديه، فصلاته صحيحة، ومن صلى إلى القبر، فإن صلاته غير صحيحة ) .
3-وأخيراً: فإن هذه القبور -إن وجدت في المسجد - فإنها مجرد قبورٍ لسلاطين لا يعتقد الناس فيهم أنهم من أولياء الله الصالحين ، فلا أحد يذهب لذلك المكان قاصداً التمسح بتلك القبور ، ولا الاستغاثة بأصحابها ، ولا النذر لها ، كما هو المشاهد من فعل العامة عند قبور من يعتقدون فيهم الولاية والصلاح .وهذا يحملنا على أن نتريث ونتروى في الإنكار على القوم ؛ لأن الأمر بحمد الله لا يصل إلى الشرك الأكبر، بل هو شيء من المنهيات . ولا شك أن المصالح الكثيرة المترتبة على إعادة افتتاح المسجد : من مثل رفع همم المسلمين ،وإغاظة أعداء الله الكارهين لدينه ،وغير ذلك ،أقول لا شك أن تلك المصالح تربو بكثير على مفسدة بقاء تلك القبور ، التي يمكن إزالتها فيما بعد بإذن الله تعالى .

 

عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
22/ 11/ 1441هـ- 13/ 7/ 2020م  

 

إقرأ ايضا