الشبكة العربية

السبت 21 سبتمبر 2019م - 22 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

اسطنبول .. المدينة التي تعلق بذاكرتك إلى الأبد ! (2/2)

يعيش في اسطنبول حوالي عشرين مليون إنسان ، وهي واحدة من أكبر مدن العالم بعدد سكانها ، لكنك لا تشعر بذلك أبدا ، نظرا للتخطيط العلمي الجيد والحضاري للتوسع العمراني ، ويحسب للحكومة التركية في ظل حزب العدالة والتنمية جعل اهتمامها الأساس بالمواطن العادي ، وليس برجال الأعمال ولا حتى منتسبي مؤسسات رسمية مثل الجيش أو القضاء أو الشرطة أو غيرهم ، المواطن العادي هو الذي يحظى بأفضل ما في المدينة ، فعندما تنشيء الحكومة مطعما أو كافيه أو متنزها عاما تابعا للدولة وليس للقطاع الخاص ، فهي تختار أفضل المواقع على الإطلاق ، عادة ما تكون على البحر مباشرة وفوق ربوة رائعة الجمال ، وتكون فيها الأسعار أقل كثيرا من المنشآت الخاصة والتابعة لمستثمرين بحيث تكون في متناول المواطن العادي ، الموظف والمدرس وحتى عامل النظافة ، وهي تترك لرجال الأعمال المناطق الأخرى ، ليقوموا بتطويرها واستثمارها ، لكن المواطن العادي ، يدخل أفضل الأماكن دائما ويتمتع بخيرات بلاده وجمالها قبل أي جهة أخرى وبأسعار مخفضة وبسيطة ، والنوادي هنا في اسطنبول مفتوحة للجميع ، ولا يوجد ظاهرة رسوم العضوية الغريبة التي انتشرت في مصر مثلا ، والتي وصلت إلى قرابة مليون جنيه لنادي الجزيرة ونصف مليون للأهلي تقريبا ، هنا كل النوادي لكل الناس ، وكل مواطن هو عضو في كل النوادي .
الرواتب الحكومية في تركيا ليست كبيرة ، الحد الأدنى للأجور الفان ليرة تركية ، أي ما يعادل ستة آلاف أو سبعة آلاف جنيه مصري تقريبا ، لكن الحكومة تحقق منظومة من الرعاية الاجتماعية والتعليمية والصحية عالية الجودة ، تشعر المواطن ـ أيا كان دخله ـ أنه يستمتع بحياته ولا ينقصه شيء جوهري ، فالعلاج مجانا أو برسوم رمزية للغاية ، والتعليم مجانا ، وكلاهما بجودة عالية جدا ، والمنشآت التعليمية والصحية الحكومية هنا أفضل من أي مستشفى خاص أو مدرسة خاصة في مصر مثلا ، مستوى عال من الخدمة وأحدث الأجهزة والخدمات الطبية ، كما أن هناك دعما متعددا للشباب المقبلين على الزواج ، وأفضلية حاسمة للمواطن التركي في شراء العقارات سواء التي تشرف عليها الدولة مباشرة أو حتى التي يقيمها مستثمرون ، مع تسهيلات كبيرة جدا في السداد ، بحيث يمكن لأي مواطن مهما تواضع دخله أن يشتري شقة ويسكنها .
عانت تركيا طوال العقود السابقة على حزب العدالة من سيطرة المؤسسة العسكرية على القرار الإداري والاقتصادي والسياسي في الدولة ، ومن آثار ذلك وضع القادة العسكريين أيديهم على مساحات أراضي كبيرة في وسط اسطنبول ، وفي أماكن مميزة للغاية ، على أساس تقسيمها وإقامة منشآت مدنية وعسكرية بمعرفتهم ، وقد نجح اردوغان في إلغاء مثل هذه القرارات وألغى تمييز أي مؤسسة عن عموم الشعب ، واستعاد كل تلك الأراضي للملكية العامة ، ووضعها ضمن التخطيط العام للدولة من خلال الحكومة المدنية المنتخبة من الشعب ، وبما يفيد المواطن العادي مباشرة ، من منشآت رياضية وصحية وتعليمية وإدارية ومساكن وخدمات متنوعة ، وكان اردوغان صارما جدا في هذا الموضوع .
اسطنبول مدينة متنوعة ومنفتحة إلى أقصى مدى ، فأنت تقابل فيها كل ألوان الطيف الإنساني ، المحجبات والمنقبات في الشوارع بكثرة وغير المحجبات أيضا ، مظاهر التدين الواضحة ومظاهر التحرر أيضا ، وفي بعض الأحياء القديمة يمكنك أن ترى المثليين ، وإن كان شأنهم قد ضعف كثيرا ولم يعد يتاح لهم التظاهر والاستعراض كما كان قديما ، والغريب أنهم عاشوا أيام عزهم في ظل الانقلابات العسكري ، حيث كان الجنرالات يغازلون الغرب دائما بانفتاحهم على مثل تلك الظواهر ، وكانت اسطنبول في السبعينات الميلادية الماضية أول مركز دولي للمثليين .
واسطنبول مدينة عالمية تستقبل كل عام عدة ملايين من السائحين من مختلف أنحاء العالم ، يجوبون شوارعها ومتنزهاتها وآثارها الرهيبة ، ويستمتعون بمناخها المعتدل معظم أيام السنة ، ولهذا العدد الضخم من السائحين طباع مختلفة في الشرب والسلوك ، ولكن نادرا ما يفتعلون صدمات مع المواطنين ، ويراعون ما يتعلق بالذوق العام في المجتمع ، خاصة وأن روح التدين برزت تدريجيا في المجتمع وتغلغلت مع وجود حزب العدالة والتنمية ، ورغم ضيق قطاع من الأتراك بالعدد الضخم من السوريين الذين وفدوا للبلاد بسبب الحرب الأهلية ، خاصة وأنهم نفذوا إلى الأعمال والوظائف التي كان يتولاها أتراك ، حتى أن ثلاثمائة ألف تركي من أهل اسطنبول رحلوا عنها لفقدانهم وظائفهم ، إلا أن المصريين ـ من بين العرب ـ لهم خصوصية غريبة عند الأتراك ، ما إن يعرف أنك مصري حتى تنفرج أساريره ويهش ويبش ويبحث عن اي مساحة كلام مفهوم بينك وبينه ليتواصل معك ، وربما حدثك عن جدته التي تزوجت مصريا وأنجبت كذا وكذا ويعملون في كذا وكذا ، أو خاله الذي أقام فترة في مدينة كذا في مصر ، ولا أعرف بالضبط سر هذا القرب بين الأتراك والمصريين ، لكن الجميع هنا يدرك ذلك من أول وهلة ، وتركيا البلد الوحيد غير العربي الذي يسمي مصر باسمها "مصر ـ misr" ولا يقول "ايجيبت" ، رسميا وشعبيا وفي الوثائق الحكومية نفسها ، والقاهرة هي القاهرة وليست كايرو .
مدينة "اسطنبول" تعرف تنوعا عرقيا وطائفيا كبيرا ، فهناك قرابة اثنين مليون مواطن كردي يسكنون فيها ، وهم كتلة انتخابية مهمة وأحيانا حاسمة في الانتخابات البلدية بشكل أساس ، وهناك أيضا عدد كبير من العلويين ، كما أن بعض أحيائها يستوطنها من قديم السريان والأرمن واليهود ، مثل حي "بشكتاش" الفاخر المطل على مضيق البوسفور ، والذي تقع فيه القنصلية المصرية ، وهذه المنطقة لها ثقافة وقيم غربية واضحة بحكم الخصوصية الطائفية والتاريخية ، وهي أقل مناطق تركيا على الإطلاق تأييدا لحزب العدالة والتنمية المحافظ ، ويحصل فيها اردوغان على أقل الأصوات على مستوى الجمهورية ، وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة حصل فيها على 18% فقط ! .
وبمناسبة الحديث عن احياء اسطنبول ، فالأحياء فيها لها بصمات خاصة بكل حي ، فهناك حي "تقسيم" الشهير وسط المدينة ، والذي يعتبره "العلمانيون" الأتراك رمز العلمانية وقدس أقداسها ، وعادة تنطلق أهم مظاهراتهم منه أو فيه ، وعندما أراد حزب العدالة بناء مسجد في ميدان تقسيم قامت الدنيا ولم تقعد ، ووقعت ضجة كبرى شغلت الرأي العام والإعلام طويلا ، واعتبر الحزب الجمهوري ، حزب المعارضة الرئيسي ، وريث أتاتورك ، أن هذا عدوان على علمانية الدولة ، ورمزية الحي ، وكانت معركة قانونية وسياسية حامية الوطيس ، انتصر فيها اردوغان في النهاية وتم بناء المسجد الكبير ، وهو على وشك الاكتمال الآن ، بينما يوجد أحياء محافظة بطبيعتها ، مثل حي "باشاك شهير" في الطرف الأوربي من المدينة ، حيث يكثر فيه المتدينون رجاء ونساء ، ويغلب على شوارعه ومنشآته تلك الروح ، ولذلك يقصده كثير من العرب للإقامة فيه لأنه متوافق إلى حد كبير مع عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم ولا يشعرون فيه بالاغتراب .
التنوع الثقافي واللغوي في اسطنبول يجعلك أمام ظواهر بديعة ، لا تجدها في أي مكان آخر ، فيمكنك أن تدخل مسجدا لصلاة الجمعة مثلا ، فتجد على المنبر خطيبين ، أحدهما جالس والآخر واقف ، ثم يتبادلان الوضع ، لأن أحدهما يقول الخطبة باللغة التركية والآخر يقولها باللغة العربية ، خاصة في المناطق التي يكثر فيها العرب سائحين ومقيمين ، فيمكن أن تجد نصف المسجد من العرب الذين لا يفهمون الخطبة باللغة التركية ، وكثيرا ما تختار الوزارة خطيبا متمكنا من اللغتين ، العربية والتركية ، ويقوم هو بالواجب ، وأحيانا في بعض احياء وسط المدينة يقدم الخطيب خطبة الجمعة بثلاث لغات ، التركية والعربية والانجليزية نظرا لوجود سياح مسلمين كثيرين من بلاد تتكلم العربية أو الانجليزية ، والخطبة عادة لا تتجاوز ربع الساعة ، لكن يسبقها درس ديني يمتد لقرابة نصف ساعة لمن أراد أن يحضر .
اسطنبول مدينة لا تنسى ، مدينة تعلق في ذاكرتك إلى الأبد ، ولا يمكن أن تمر عليها يوما دون أن تعود إليها يوما ما إذا أمكنتك القدرة ، أو أن تفكر في العودة إليها على الأقل ، وشخصيا أتيت إلى تلك المدينة أربع مرات على مدار أكثر من خمس وثلاثين عاما ، منذ نهاية الثمانينات الميلادية ، ثلاث منها اختيارا .. والرابعة اضطرارا !! .
 

إقرأ ايضا