الشبكة العربية

الأحد 09 أغسطس 2020م - 19 ذو الحجة 1441 هـ
الشبكة العربية

الأطباء.. هل سيغيرون العالم؟

لأن العافية هي واحدة ضمن ثلاث إذا ملكها الانسان وكأنه ملك الدنيا بحذافيرها، ولأن عافية الانسان هي أغلى ما يملك ومن أجلها يضحي بكل ما يملك، ولأن الانسان يعيش أشد لحظات ضعفه عندما يمرض، ولأن الانسان عندما يمرض ليس له بعد الله إلا طبيب، سيظل لهذا الطبيب قيمته ومكانته وتأثيره في كل بقاع الأرض وحتى آخر نفس آدمي على الأرض. ولأن العالم يعيش الآن جائحة تهدد عافية الانسان وعافية العالم، يبرز دور الطبيب ليتقدم الصفوف ويقف على خط المواجهة المباشرة مع فيروس عالمي وخفي وسريع الانتشار. ستنتهي جائحة كورنا أو تضعف شوكتها باذن الله وفي موعد يعلمه الله، ستنتهي وتترك خلفها عالم جديد ومختلف. مثل هذه الأزمات في العالم تشبه الحروب العالمية فلا تمر مرور الكرام بل مرورًا عنيفًا ومدويًا ومغيرًا لأوضاع البشر على الأرض. عندما تنتهي الجائحة ويجفف الناس دموعهم ويلتقطوا أنفاسهم سيذكرون طبيبًا كان سببًا في شفائهم أو شفاء من يحبون، وكان رحيمًا في رعايتهم أو رعاية من يحبون، وكان داعمًا لهم أو لمن يحبون، سيذكرون طبيبًا ملك قلوبهم في محنة غير قابلة للنسيان. الأطباء المخلصون كثيرون في هذا العالم، ومايفعلونه الآن هو ملحمة لن يتجاوزها التاريخ الحديث. ونحن نشهد هذه الملحمة يطرأ على الذهن تساؤلات ربما تكون منطقية أو على الأقل مشروعة: هل من ضمن خصائص عالم مابعد كورونا إتساع مدى تأثير الأطباء إلى أبعد من حدود عملهم؟ هل من الممكن أن يبحث الأطباء في المستقبل عن أدوار إضافية في قيادة وتطوير مجتمعاتهم؟ بالفعل هناك أطباء يمارسون أدوارًا إضافية سياسية واجتماعية وثقافية وتطوعية في مجتمعاتهم، لكن القصد هنا أن يخرج منهم الطامحون إلى أدوار أكثر تأثيرًا وتحديدًا يخرج منهم من يعمل في السياسة أو العمل العام بشكل منظم ومخطط وجماعي ومدعم، أو يزيد تواجدهم في كيانات سياسية تدعم قوتها بشعبيتهم وتستثمر قربهم من الناس أو قرب الناس منهم وتكتشف فيهم ما كان خفيًا عنها. أثق في أن أكثر الأطباء لا يفكرون في الأمر ولا يضعون له إعتبارًا فدورهم العظيم يكفيهم ويكفينا، لكن لو رغبوا في هذا  سيكون الطريق مفتوحًا أمامهم وإن كان لا يخلو من عقبات تتعلق بعدم التفرغ أو إفتقاد الخبرات السياسية أو مقاومة آخرين لن يسعدهم دخول الأطباء عالم السياسة وبكثافة. الأطباء يؤمنون بقيمة العلم، الطب علم متفرد وله خصوصيته، وبناء الطبيب عملية علمية ممتدة ومتماسكة، والأطباء الناجحون لم يتحقق نجاحهم بالفهلوة أو بالصدفة أو بالعلاقات الشخصية ولم يشتهروا بين الناس لأسباب لا تتعلق بالكفاءة العلمية، ومسيرتهم في الحياة منذ نعومة أظفارهم إرتبطت بحب العلم وتعلمه، لهذا هم أكثر الناس تقديرًا  لقيمة العلم وتأثيره، فضلًا عن الشخصية المنضبطة والملتزمة والرشيدة والنشيطة التي تميز الكثيرين منهم، وكل هذا يدعمهم كثيرًا في خدمة مجتمعاتهم. والأطباء المخلصون أكثر الناس إحساسًا بأوجاع الناس، وأكثر الناس إدراكًا لظروفهم الحياتية والتي هي مرتبطة كثيرًا بأوجاعهم خاصة في المجتمعات كثيرة الأوجاع. أيضًا كثير من الأطباء ينتمون إلى الطبقة المتوسطة في مجتمعاتهم وهي طبقة تعاني الكثير من تدهور أحوالها الاقتصادية، ومن ثم تبحث هذه الطبقة عن واقع جديد يعيد لها ما خسرته في سنوات عجاف. إضافة إلى أن البعض يتوقع إستمرار معاناة العالم في العقود القادمة من تأثير فيروسات متنوعة تقلق منام العالم وتضعه في حالة صراع مستمر معها، وبالطبع سيكون للطبيب دور مؤثر في هذا الصراع. ليس هذا فقط فقد تعاني كثير من المجتمعات من سوء إدارة لأزمة كورونا، وبشكل تلقائي يقارن الناس بين أداء مسؤولين في مجتمعاتهم لا يؤدون واجباتهم وبين أطباء يدفعون حياتهم ثمنًا لأداء واجباتهم، هذه المقارنة ستدعم أي دور إضافي يقوم به الطبيب بعد إنتهاء الأزمة. إذن هل من الممكن أن نشهد في عالم مابعد كورونا أحزابًا سياسية يشكلها أو يسكنها أصحاب البالطو الأبيض؟  أو نسبة فاعلة من مقاعد البرلمانات في العالم يجلس عليها أصحاب البالطو الأبيض؟ أو هيئات ومنظمات عالمية واقليمية فاعلة يقودها أصحاب البالطو الأبيض؟ هل من الممكن أن نرى في المستقبل القريب أو البعيد العديد من رؤساء الدول أو رؤساء الحكومات من أصحاب البالطو الأبيض؟ بصفة شخصية أتوقع أو على الأقل أتمنى أن يكون للأطباء أدوارًا مؤثرة في عالم مابعد كورونا يتعدى تخفيف أوجاع العالم إلى المساهمة الفاعلة - بشكل أو بآخر - في تغيير واقع العالم.

د. عبدالله ظهري

Facebook: elbarjal
 

إقرأ ايضا