الشبكة العربية

الأربعاء 01 أبريل 2020م - 08 شعبان 1441 هـ
الشبكة العربية

التيار الإسلامي .. ما بعد الجماعات


كان ظل الخلافة الإسلامية الأخير والضعيف ، في نهايات الربع الأول من القرن العشرين الميلادي ، والمتمثل في الخلافة العثمانية ، يمثل ملاذا روحيا لملايين المسلمين في أنحاء العالم ، الذين يأخذهم الحنين إلى مجد التاريخ والماضي وهم يعيشون مأساة الاحتلال الأجنبي لبلادهم ، وإذلالهم ، وعلو "المستعمر" على "أهل الإيمان" ، وعلى الرغم من أن الخلافة العثمانية كانت قد سقطت فعليا في أجواء الحرب العالمية الأولى ، إلا أن الإعلان رسميا عن وفاتها كان على يد القائد العسكري العثماني مصطفى كمال ، والذي لقب بعد ذلك بأتاتورك عام 1923 .
الواقعة أحدثت هزة كبيرة في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ، وعقدت مؤتمرات علمية وسياسية ضخمة في مصر والهند للبحث في تلك المأساة وكيفية استعادة الخلافة ، وحاول بعض القادة والملوك وقتها استغلال تلك العاطفة إلا أن رياح التغيير في العالم كانت قد طوت تلك الصفحة ، فما لبث الناس أن انصرفت عن التفكير فيها .
في تلك الأثناء ، وبعد فشل الجهود السياسية الرسمية والعلمائية ، بدأت تظهر مجهودات شعبية لملأ الفراغ الذي حدث ، ورعاية بعض شئون الدين والملة ، ومن ذلك ظهور جمعية أنصار السنة المحمدية في مصر ، وكذلك الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة المحمدية ، غير أن الحدث الأكثر أهمية كان ظهور جمعية جديدة صغيرة وقتها أسسها أحد المدرسين في مدينة الاسماعيلية على قناة السويس ، وهو الأستاذ حسن البنا رحمه الله ، وعرفت باسم "جماعة الإخوان المسلمين" .
لم تكن الجماعة في تلك المرحلة قد تبلورت سياسيا أو اجتماعيا أو حتى دينيا ، ولا تملك منهجا واضحا ، كانت مدفوعة بعاطفة "ملأ الفراغ" الذي حدث ، وغياب "الإمام" أو الخليفة ، وخلال حوالي عشرين عاما ، بين تأسيس الجماعة واستشهاد مؤسسها في حادثة اغتيال سياسي ، كانت رؤية الجماعة تتبلور وتتعدل وتتغير ، وخاصة في مجال الاشتباك السياسي ، والعمل التنظيمي ، وتشكيل خلايا عسكرية ، والتواصل السري والعلني مع مكونات الحراك الوطني المصري وقتها ، سواء الأحزاب السياسية أو القصر الملكي أو حتى ضباط الجيش الساخطين على الأوضاع ، كما انتشرت خلايا لتلك الجماعة في بلاد عربية أخرى ، غالبهم من الدارسين في الأزهر أو اللاجئين الذين قصدوا القاهرة للحماية والأمان .
ليس مجال هذا المقال دراسة أو تحليل أو تقييم تاريخ الجماعة أو نجاحها وإخفاقها ، وإنما المقصد أن "القالب" الذي تشكل فيها ، أصبح النسخة المعتمدة لجميع الحركات الإسلامية التي نشأت من بعده ، وهو تشكيل تنظيم له طابع سري ، يخضع لإمام قائد له السمع والطاعة المطلقة ، ويشكل بعض الأجهزة المعاونة له ، ولا يعمل من خلال مؤسسات الدولة ولا يخضع لقوانينها ، ويشتبك مع قضايا الشأن العام المختلفة من خارج إطارها ، ويطرح نفسه كبديل للدولة ومؤسساتها وأحزابها ، وبالتالي عاش معظم تجربته في صراع مع الدولة ، أيا كانت صفتها ، وأيا كان مستوى هذا الصراع ، سلميا أو عنيفا ودمويا .
كل الجماعات الإسلامية التي تشكلت من بعد الإخوان صبت بنيتها التنظيمية وافكارها ورؤيتها للذات والآخر وفق هذا القالب ، سواء كانت جماعات سلمية أو عنيفة ، وأغلب الحركات السلمية كانت تنتهي في بعض مراحلها إلى العنف ، لأن مكونات الرؤية تحمل مقومات الصراع والمغالبة ، وتتغير المبررات الفقهية والدينية مع كل مرحلة بطبيعة الحال ، سلما أو عنفا .
الأهم الآن ، هو دراسة حصاد تلك التجربة ، أو التجارب المستنسخة ، وتقييم جدواها ، ليس تقييم التاريخ ، وإنما تقييم جدواها في الواقع والمستقبل ، وهل يمكن أن تضيف إلى الإسلام والمسلمين أم أنها تخصم من مصلحة الإسلام والمسلمين ، وهل اللحظة التاريخية التي نعيشها الآن تتشابه مع تلك التي نشأت فيها جماعة الإخوان وصبت قالبها التنظيمي ، وهل تمثل الجماعات الآن دافعا وحافزا للأمة أم أنها أصبحت عبئا على الأمة وثقبا لإهدار طاقات أبنائها المترعين حماسة للدين والأمة ، وبشكل عام ، هل يمكن أن يطوي التيار الإسلامي مرحلة الجماعة والجماعات ، ويدشن مرحلة جديدة ، بأطر اجتماعية بديلة ، وخيال سياسي واجتماعي جديد ، وانفتاح أكثر جرأة وشجاعة وشفافية على المجتمع والعالم .
يمكن في سياق هذا الحوار المأمول أن نتخيل حال الأمة وتحولاتها التاريخية إذا لم تكن الجماعات موجودة ، كذلك من المفيد تأمل بعض "الفجوات" التاريخية التي غابت فيها الجماعات عن الوجود تقريبا ، وهل نما التيار الإسلامي أثناء هذا الغياب وتمدد أم أن غياب الجماعة غيبه ، وهنا تجربة مصرية في الفترة من هزيمة يونيو 1967 وحتى فترة ما قبل نصر أكتوبر 1973 ، وقبل أن تخرج جماعة الإخوان وقادتها من السجون والمعتقلات ، وكيف ظهر التيار الإسلامي في الجامعات وما هي أسباب مولده وتمدده وانتشاره ، قبل أن تضع الجماعات يدها عليه بعد ذلك وتتقاسم كوادره ، ويتوزع نشطاؤه على هذه الجماعة أو تلك .
والملاحظ أن أغلب التنظيمات الفكرية السياسية التي نشطت مع الجماعات الإسلامية طوال القرن الأخير كله تقريبا ، من اليسار والقوميين وغيرهم ، طووا صفحة وجودهم أو طويت رغما عنهم ، وتوجهوا إلى العمل السياسي والفكري المؤسسي البديل ، من خلال أحزاب أو جمعيات حقوقية ، فهل لدى التيار الإسلامي أفكار بديلة مشابهة ، لإعادة صياغة الرؤية والفكرة والمشروع ، والبحث عن قنوات بديلة ، وقالب بديل لقالب الجماعة ، أو صيغ سياسية واجتماعية بديلة للعمل ، أقل في تضحياتها ، وأكثر جدوى في عائدها .
أيضا ، من المفيد أن تتم دراسة الحالة الإسلامية في الدول التي لم تعرف تنظيمات إسلامية أو جماعات دينية ، أو تم حل التنظيمات فيها بقرار ذاتي ، وبين الحالة الإسلامية في الدول الأخرى المشابهة ولكن لم تحل فيها التنظيمات ، وتقييم العائد والمصلحة الدينية والسياسية للأمة في الحالتين .
هذه دعوة للحوار ، أو التأمل ، لقادة الفكر والعمل الإسلامي ، على أمل النظر إلى آفاق جديدة للحالة الإسلامية ، نتجرد فيها من حظوظ النفس والولاءات الحزبية أو الشخصية ، والميراث النفسي الذي يأسرنا عادة ، أو درجنا على اعتياده ، للنظر في المصلحة العليا المجردة للإسلام والمسلمين .
 

إقرأ ايضا