الشبكة العربية

الأربعاء 11 ديسمبر 2019م - 14 ربيع الثاني 1441 هـ
الشبكة العربية

انضباط

عند البدايات الأولى لثمانينيات القرن العشرين تم تجنيدي كضابط احتياط في سلاح النقل والحركة حيث ضم ملف خدمتي أوراقاً تفيد أنني أعمل مترجماً بالهيئة العامة للاستعلامات واتحاد الإذاعة والتليفزيون، وفي أيام تجنيدي الأولى أصاب الارتباك جميع الأسلحة اللوجيستيكية للجيش المصري بما فيها سلاح النقل حيث صدرت تعليمات من القيادة العليا بضرورة مد وصلة  معبدة على نحو يسمح بنقل معدات عسكرية ثقيلة فوقها لاحقاً بين طريقين قديمين في المنطقة ج من سيناء، وهي المنطقة التي أخضعتها معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة يوم 26/3/1979 لإشراف قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة حتى يوم 3/8/1981 عندما تم توقيع بروتوكول ملحق بالمعاهدة نقل خضوعها إلى قوات حفظ السلام الدولية، مع حظر أي وجود أو أنشطة عسكرية أو شبه عسكرية أو لوجيستيكية مصرية فيها تحت مراقبة عدد 35 برج مراقبة رادارية إليكترونية موزعة داخل المنطقة ج، وتم سراً استقدام خبراء عسكريين أجانب من مشارق الأرض ومغاربها كي يعقدوا مع ضباط الجيش المصري اجتماعات مفتوحة لبحث كيفية مد هذه الوصلة المعبدة دون علم تلك الأبراج، الأمر الذي اقتضى انتداب جميع الضباط المترجمين وأنا من بينهم للمشاركة في اجتماعات الفريقين، فرش أعضاء الفريقين عدة خرائط جغرافية وطوبوغرافية ومساحية للمنطقة ج على الأرض وتمددوا فوقها لفحصها دون أن يتفتق ذهن أحدهم عن حل، تجاوزتُ دوري كمترجم وسألتُهم عن الفترة الزمنية الفاصلة بين المرور الدوري للرادار على منطقة مد الوصلة المعبدة والمرور التالي له فأجابوني ثم سألتُهم عن المسافة التي يمكن مدها من الوصلة المعبدة خلال نصف تلك الفترة الزمنية الفاصلة فأجابوني، كانت خطتي هي أن يتم مد الجزء القصير جداً الممكن من الوصلة بعد المرور الدوري للرادار ثم تغطيته برمال الصحراء قبل المرور الراداري التالي مع الاستمرار في مد الأجزاء القصيرة جداً تباعاً بين كل مرورين للرادار حتى تكتمل الوصلة وهي مغطاة تحت التراب، على أن تتم إزاحة الرمال بعد إكمال مد الوصلة لتبدو أمام المراقبين الأمميين وكأنها وصلة قديمة كانت مغطاة بالرمال، احتضنني قائد الفريق الأجنبي فرحاً بينما نظر لي قائد الفريق المصري شذراً وهو يوبخني باللهجة العامية المصرية قائلاً: "جرى إيه يا حضرة الظابط انت مش حاطط البيريه على راسك وسايب السترة تطلع من القايش تكونش فاكر نفسك في رحلة"، لينتهي الأمر بأورنيك ذنب حرمني من إجازتي الأسبوعية التالية لخروجي عن قواعد الانضباط وترقية استثنائية لقائد الفريق المصري الذي نسب خطتي إلى نفسه، ولاحقاً بعد أن أصدرت القيادة العليا قرارها السيادي بإنهاء خدمتي العسكرية نظراً لما تشكله أفكاري من خطر على الأمن القومي علمتُ أن خطتي قد تم تنفيذها بنجاح حيث تم مد الوصلة المعبدة وتم استخدامها في نقل المعدات العسكرية الثقيلة كما كان مطلوباً!!.
                     طارق المهدوي
 
 

إقرأ ايضا