الشبكة العربية

الخميس 22 أكتوبر 2020م - 05 ربيع الأول 1442 هـ
الشبكة العربية

قطع يد السارق بين بيرم التونسي وشيوخ السلاطين

أعترف بأني لست من هواة قراءة شعر العامية ،ولا صبر لي على ذلك . كما أعترف بتواضع معلوماتي عن الشاعر الراحل محمود بيرم التونسي ( 1893- 1961م) ، وإن كنت أعرف كسائر أبناء جيلي أنه كان من أشهر مؤلفي الأغاني في القرن الماضي ، وذلك من خلال ما كنا نسمعه من أجهزة الراديو ونحن صغار ،وأنه كان من أبرع الزجالين في مصر والعالم العربي ،حتى ذكروا أن شوقي رحمه الله كان يقول : (لا أخشى على شعر الفصحى إلا من بيرم التونسي ).  
وقد ذكرتُ سابقاً أننا قد نعثر في تراث بعض كتابنا وأدبائنا -ممن لا يُعلم عنهم التخصص الشرعي - على  كلمات مضيئة ،ومواقف طيبة في نصرة الدين وأهله ، ينبغي نشرها والإشادة بها ؛ لأنا كثيراً ما نجد فيها من الفهم الناضج والمعرفة بصحيح الدين ،ما لا نجده عند بعض المنتسبين للعلم الشرعي في بلادنا .
وقد اطلعت مؤخراً على قصيدة لبيرم رحمه الله بعنوان : ( اقطعوا إيد الحرامي ) ،ضمن مجموعة مختارة من شعره نُشرت في مكتبة الأسرة سنة 1996م. وقد لفت انتباهي في تلك القصيدة اعتزاز بيرم بالشريعة الإسلامية وأحكامها ،وأنه يتحدى -إذا قطعنا يدَ سارق واحد - أن يجرؤ أحد على السرقة بعد ذلك ، بل يقول :إنه على استعداد أن يُحبس أو يُشنق إنْ بقي هناك سُرَّاق بعد إقامة حد القطع مرة واحدة ، وذلك حيث يقول :   
اقطعوا إيد الحرامي ** بس نوبه ..  واحبسوني
وان سرق واحد طماطمه ** ولا طوبه .. اشنقوني
الحرامي لما يسمع  **   بالساطور يفزع ويرجع
يشتغل ويكون عصامي ** اقطعوا ايد الحرامي
كما يبدو من كلامه أيضاً أنه كان يدرك جيداً عوار القوانين الوضعية ،التي يحاكم بموجبها اللصوص ،وأنها لا تفيد شيئاً في منع السرقة والفساد :
الحرامي تتركوه يسرق **  ويهرب في الحواري
أو بصدفه تحبسوه ياكل ** ويشرب ..سم هاري
من جيوبنا او دمانا **  اللي فايضه من الخزانه
و يحامى له  المحامي **  اقطعوا إيد الحرامي
كما يتهكم على تلك الأنظمة التي تحبس السُّرَّاق ،وتُنفِق في سبيل ذلك المبالغ الطائلة التي كان يمكن الاستفادة منها في الزراعة ،أو في عمل مشروعات لتشغيل العاطلين :   
ع البوليس والسجن كام **مليون بندفع - احسبوهم
وفروهم للسماد والرى ** أنفع .....  وفروهم
وافتحوا بيهم مشاغل ** للى عاطلة واللى عاطل
يكفي يا ناس التعامي   **   اقطعوا إيد الحرامي
على أن أحسن أبيات تلك القصيدة في نظري ، هي الفقرة التي يتحدث فيها بفخر واعتزاز عن شريعة الإسلام الغراء ، داعياً أهلَ الإسلام إلى تطبيق أحكامها ، غيرَ عابئين باعتراضات الغربيين ،الذين يعتبرون أن أحكام الحدود وحشية لا تناسب العصر ، مبيناً أن على من يسكن بوادينا أن يخضع لشريعتنا :
عندكم يا مسلمين    **    أحسن شريعة طبقوها
حا تقول الافرنج دي ** أحكام فظيعه ،ما يقولوها
اللي يسكن في وادينا  **  يرضى بالجاري علينا
انجليزي أو أنامي   **       اقطعوا إيد الحرامي
وبعد : ألست ترى معي أيها القارئ الكريم أن هذا البيان من بيرم رحمه الله ،خير وأقرب إلى منهج الشرع الحنيف ،من كلام بعض علمائنا الرسميين الذين صار همهم تبرير الواقع والدفاع عنه بشتى السبل .حتى زعم بعضهم أن أحكام الشريعة مطبقة في بلادنا ، وأنه لا يقول بغير ذلك إلا المتطرفون أو الإرهابيون بحسب زعمهم . واقرأ معي هذا التصريح الذي أدلى به مفتي الجمهورية في أحد حواراته التلفزيونية ،بتاريخ 24 / 3/ 2017 - والحوار موجود بطوله على موقع دار الإفتاء المصرية - وفيه يقول فضيلته : ( نحن مطمئنون أن الشريعة الإسلامية مطبقة في مصر ،ولم تغب عن الواقع المصري والعربي والإسلامي، مضيفًا أن تلك الدعوات التي تطالب بالعودة لتطبيق الشريعة الإسلامية هي دعوة حق يراد بها باطل لأنها تسعى لأهداف خبيثة وأغراض سياسية عبر دغدغة مشاعر الناس ،والشباب خصوصًا بلبس عباءة الدين .وأوضح خلال حلقة اليوم من برنامج "حوار المفتي" : أن القوانين الوضعية في مصر في مجملها لا تختلف عن مقررات الشريعة الإسلامية ) .
واقول :إنَّ كل من له إلمام بقضايا الشريعة في مصر يعلم أن مجلس الشعب المصري قد شكل حين كان يرأسه الدكتور صوفي أبو طالب عدة لجان للعمل على تقنين أحكام الشريعة الإسلامية ،وتنقية القوانين الحالية مما يخالفها ، وقد كان من أعضاء تلك اللجان ثلة كريمة من علماء الأزهر ،على رأسهم فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق رحمه الله ،الذي كان وقتها مفتياً للجمهورية ، وقد بدأت تلك اللجان عملها أواخر عام 1978م ،وأتمت عملها في صيف عام 1982م .ولكن كان المناخ السياسي قد تغير ،حيث جاء رئيس جديد لا رغبة له في تطبيق الشريعة ، فحال ذلك دون إقرار تلك القوانين فظلت إلى اليوم حبيسة أدراج البرلمان . فبالله عليكم لو كانت الشريعة مطبقة في مصر كما تقولون ،فلِم كان هذا الجهد الجبار ،والعمل الدؤوب الذي استمر أربع سنوات ؟ ألم يكن هناك رجل رشيد يقول لهم : ما هذا السفه ؟ كيف تضيعون الوقت والجهد والمال في إيجاد ما هو موجود بالفعل ؟!
وأعجب ما في تصريح فضيلة المفتي تبريره لعدم تطبيق الحدود في مصر ،حيث قال كما في الحوار المشار إليه : ( إن تطبيق الحدود لابد فيه من نفي الشبهات تمامًا، ونحن في زمان لا نطمئن فيه إلى أن يتم نفي جميع الشبهات لأنها أصبحت محيطة بكافة القضايا، ومن الصعب الاطمئنان لشهادة الشهود في الكثير من القضايا. وأضاف أن الشريعة الإسلامية تقصد الستر ودرء الحدود بالشبهات، والقاضي يجب أن يتحرى تمام التحري لإنزال الحد والعقوبة إلا بعد درء الشبهات، فالقاضي أو المفتي عندما يريد أن يعطي حكمًا يأتي للأحكام التكليفية ويسقطها على أرض الواقع، ولابد من الربط بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي ،وهو عسير في مسائل الحدود .وهنا ننتقل للعقوبات التعزيرية ).
وأقول : يا فضيلة المفتي ،إن الكلام هنا ليس عن القاضي الذي يجب عليه -كما قلتم - أن يتحرى تمام التحري حتى لا ينزل العقوبة إلا بعد درء الشبهات .وإنما كلامنا عن النص التشريعي الذي يجب أن يكون موافقاً لشريعة الله كما نزلت على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد ذلك ينظر القاضي المؤهل شرعاً ( لا قضاةُ هذه الأيام الذين لا يحسن بعضهم قراءةَ آية من كتاب الله ) في مسألة ثبوت التهمة من عدمها . أما أنْ نغيرَّ حكم الله من أجل صعوبة إثبات التهم .فهذا في الحقيقة عبثٌ بالشرع المطهر ، وفيه معنى الاستدراك على الله عز وجل ، وكأنكم تقولون له سبحانه : إن شريعتك كانت تصلح في العصور السابقة ، ولكنها لا تصلح في عصرنا هذا لعدم الاطمئنان لشهادة الشهود ،أو لغير ذلك مما ورد في حوار المفتي.
كما أن من المعلوم أن القانون في مصر يُلزم القضاة بإصدار أحكامٍ أشدَّ وأقسى من كثير من الحدود ، وذلك مثل عقوبة الإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة ، اعتماداً على شهادة الشهود الذين تقول إنه لا يوثق بهم . أفتتورعون عن الحكم بجلد شارب خمرٍ أربعين جلدةً أو ثمانين جلدةً ، درءاً للحدود بالشبهات كما تزعمون ، ثم تبيحون لأنفسكم الحكم على أناس بالقتل اعتماداً على نفس منظومة التقاضي التي لا تخلو حسب قولكم من الشبهات ؟
وأنت بنفسك يا فضيلة المفتي قد صدَّقت على أحكامٍ بالإعدام في حق المئات من أبناء الوطن ،في قضايا التظاهر وغيرها ، وكنت تذكر في حيثياتك أن ذلك الحكم هو من باب القصاص ،أو من باب حد الحرابة والإفساد في الأرض ، فلِمَ لمْ ترفض التصديق على تلك الأحكام ،ما دمت ترى أنه لا يوثق بشهادة الشهود ، وأنه من العسير في عصرنا الربط بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي في مسائل الحدود ؟
الحقيقة أني لا أجد تعليقاً على مثل هذا الكلام خيراً مما قاله بيرم في آخر تلك القصيدة ،مخاطباً الأزهر ورجاله :   
فين يا أزهر فين رجالك ** فين أسودك.. واقتدارك
ياللى حكم الشرع من ** أسباب وجودك واشتهارك
اكتفيتم بالوظايف     **      والمهايا والتحايف
والتشامخ والتسامى    **      اقطعوا إيد الحرامى!
رحم الله بيرم التونسي وغفر له ،وعافانا وإياكم من المداهنة ،والمجاملة على حساب الإسلام وشريعته.


عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
23/ 1/ 1441هـ- 11/ 9/ 2020م

 

إقرأ ايضا