الشبكة العربية

الخميس 01 أكتوبر 2020م - 14 صفر 1442 هـ
الشبكة العربية

كاتب الحرمين الشريفين : عبد الله زهدي


كان من تقاليد الحكم في الخلافة العثمانية ، أن يتربى أبناء السلاطين على تعلم حرفة يدوية من الحرف أو فن من الفنون ، منذ فترة صباهم ، وكان ذلك متصلا بضبط أوقات الفراغ لهم ، وأيضا بتقاليد دينية صوفية تقضي بأن يكون للمسلم مهنة وحرفة يدوية يتقنها ، ومنها تأمين حرفة لهم تحسبا لعوائد الدهر فتكون لهم مصدرا للعيش الكريم ، ولذلك اشتهر سلاطين العثمانيين بالبراعة في بعض الفنون والمهم الحرفية .

فالسلطان عبد الحميد ـ على سبيل المثال ـ كان يمتهن النجارة ، وله مهارة عجيبة في الحفر على الخشب ، وكان مولعا بذلك ، وعندما تولى السلطنة أنشأ في قصر الحكم "قصر يلدز" ورشة نجارة كبيرة ، معظمها من الأدوات التي ورثها عن والده السلطان عبد المجيد ، كان يهرب إليها سريعا بعد فراغه من شؤون الدولة ، ويقضي فيها ساعات طويلة ، وهناك مشربيات رائعة لحجب النساء في بعض مساجد اسطنبول التاريخية من صنع يد السلطان عبد الحميد ، تقربا إلى الله بذلك ، وهناك بعض موائد القصور الفاخرة ما زالت موجودة ، وهي من صنع يديه أيضا .

وكان والده السلطان عبد المجيد مولعا بالخط العربي ، وقضى سنوات طويلة في تعلمه حتى حصل على درجة "الأستاذية" ، وله لوحات رائعة الجمال حتى الآن في مسجد الفاتح ، وكان خبيرا بالخطوط والخطاطين ، ويقربهم منه ، ويصادقهم ، ويكرم وفادتهم ، حتى أصبحت اسطنبول في عهده قبلة لأي فنان في أي مكان في العالم يبحث عن الرقي والشهرة والانتشار .

عندما وقع حريق جزئي في المسجد النبوي ، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، أرسل السلطان عبد المجيد قافلة ضخمة من المهندسين والبنائين والفنانين لتجديد المسجد النبوي ، وأراد أن يرسل معهم خطاطا من أمهر الموجودين في عاصمة الخلافة ، فأجرى مسابقة بين فطاحل الخطاطين ، لاختيار أحدهم يسافر مع البعثة .

في هذه المسابقة ، شارك شاب صغير السن ، فلسطيني من نابلس ، أتى مع أبيه إلى عاصمة الخلافة بحثا عن مزيد من المعرفة والعلم والفن والابداع ، فبرع في هذا الفن ، ولما عرضت على السلطان عبد المجيد أعمال المرشحين في المسابقة ، وقع نظره على أعمال هذا الشاب ، وهو لا يعرفه ، فقال أن هذا هو من يبحث عنه ، وطلب حضوره ، فغضب الخطاطون الكبار ، واعتبروها إهانة لتاريخهم أن يجامل السلطان عليهم شابا حديث عهد بالفن ، لكن السلطان أصر على اختياره وأرسله بالفعل مع الوفد السلطان لتجديد المسجد النبوي ، ومن لطيف ما يروى أن السلطان أرسل معه فرقة فنية من المنشدين للمدائح النبوية ، لكي تحرك مشاعره وتسموا بنفسه أثناء العمل ليزداد وهجا وألقا .

هذا الشاب النابلسي ، عبد الله زهدي ، أصبح ـ فيما بعد ـ علما على روعة الخط العربي ، وتفوق على كل أبناء جيله ، وكتب قرابة ألفين متر طولي من الخط في المسجد النبوي ، على صفوف ثلاثة ، بعضها حفرا على الرخام ، وهو أمر شديد الصعوبة والدقة وقتها ، ولا يوجد ليزر ولا أجهزة حديثة ، وتفوق على نفسه في كتابة آيات الكتاب المجيد في محراب النبي ، وعلى جدران المسجد وقبابه ، وهي حتى هذه الساعة ، شاهدة على عبقرية عجيبة ، ويقول خبراء هذا الفن أنه لا يوجد على ظهر الأرض من يضاهيه في خط الثلث الذي أبدع فيه إبداعا أسطوريا .

كان عبد الله زهدي يتشرف بأن يوقع على خطوطه بلقب "كاتب الحرمين الشريفين" ، ولما توفي السلطان عبد المجيد أثناء وجوده في مدينة الرسول ، اختطفه الخديو إسماعيل ، حاكم مصر وقتها ، ونقله إلى القاهرة ، فكتب له خطوط مسجد الرفاعي وسبيل أم عباس وخطوط الأوراق النقدية والمعالم الرئيسية في العاصمة ، كما قام بتدريس فنون الخط في المدرسة الخديوية فوهب لمصر مجموعة من أمهر الخطاطين فيما بعد ، وأعماله حتى اليوم ما زالت حية في القاهرة وشاهدة على عبقريته .

وقد توفي في مصر ، وبها دفن ، في مقابر الإمام الشافعي ، يرحمه الله
 

إقرأ ايضا