الشبكة العربية

الأربعاء 23 أكتوبر 2019م - 24 صفر 1441 هـ
الشبكة العربية

لماذا أحجم "أردوجان" عن ذكر أدلة قتل "خاشقجي" !؟

من الاثنين 22 أكتوبر وبعد أن أعلن أردوجان أنه سيذيع كل الأدلة والبراهين التي تكشف كل ملابسات قضية مقتل جمال خاشقجي الصحافي السعودي داخل القنصلية السعودية بإسطانبول وأنه لن يخفي شيئا.. والعالم كله يحبس أنفاسه ليرى ويعلم حقيقة الأمر وتعشم الجميع أن يتم الإجابة علي كل التساؤلات.. أين الجثة ؟ وكيف تم القتل ؟ وما أدلة تورط بن سلمان بالدليل القاطع والبرهان الساطع.!؟
لكن أردوجان جاء اليوم الثلاثاء 23 أكتوبر ليتكلم كثيرا.. ولا يقول شيئا مهما.. أو يكشف شيئا يجهله المتابع العادي لأي وسيلة إعلام محترمة أو حتى ناشط علي مواقع التواصل الاجتماعي.. فما هو متاح القنوات الفضائية ووسائل الإعلام العالمية من صحافة وقنوات أكبر وأكثر كثيرا مما أعلنه أردوجان اليوم..من أن الأمر دبر بليل ..وأن فريقا من 15 شخصا جاءوا لتركيا وخططوا للأمر.. وأنه قتل داخل القنصلية.. وأن جثته غير موجودة..وانه يطالب بكشف مكان الجثة ويطالب السعودية بمحاكمة الـ18  شخصا المشتبه بهم في تركيا باعتبار أن الجريمة حدثت في تركيا... كل هذا من عينة أن (الكلب عض رجلا) فهو الخبر العادي الذي ليس فيه شيئا جديدا بخلاف ( أن الرجل عض كلبا).. وهو الخبر المثير الذي يجذب الأنظار ويخلق الإثارة والشغف لمتابعة التفاصيل وهو ما كان ينتظره العالم والمراقبون من أردوجان...فلماذا غير  الرجل رأيه ؟ أو وعد بالأمس وأخلف اليوم ؟ أو تمخض الجبل فولد فأرا !؟  
اعتقادي الشخصي أن الأمر له علاقة بالزيارة السريعة والمفاجئة لرئيسة المخابرات الأمريكية لتركيا بالأمس واجتماعها بأردوجان وإثنائه عما أراد إعلانه وإعطاء وقت للتنسيق بصورة أكبر لاستثمار القضية بصورة أكبر من الجانبين التركي والأمريكي وإخراجها بالسيناريو الذي يعود علي الطرفين بأكبر المنافع والمزايا والصفقات.. فماذا يفيد تركيا وأمريكا من حرق الأوراق مرة واحده وإغلاق الملف جنائيا بإعلان المتهمين بالتنفيذ والمتهمين بالتخطيط وإصدار الأوامر وعلي رأسهم محمد بن سلمان ؟! ولماذا لا يتم الصبر قليلا حتى يتم التلاعب بأعصاب الشاب الصغير الطموح للحكم وإضعافه بأعلى درجات الضغط حتى يتم عصره واستخراج أقصي ما يمكن إستخراجه منه من مكاسب مادية وصفقات اقتصادية !؟.. إن أمريكا وتركيا تعلمان الٱن أن بن سلمان قد حشر في ركن ضيق والكل يكيل له اللكمات.. وهو يعلم أن إنقاذه في يد أمريكا وتركيا لو وصل لصفقه معهما... ولو ضحي بٱلاف المليارات... وترامب يعلم ويوقن بعقلية التاجر المقامر أن وجود بن سلمان في الحكم وهو بهذه الدرجة من الهوان والضعف هي فرصته لجلب الأموال لإدارته كما هدد الملك سلمان قبلها بأن عليه أن يدفع نظير حماية أمريكا له وهذا التهديد تكرر أربع مرات سابقه.. وهاهي الفرصة قد أتته علي طبق من ذهب سواءا بتخطيط مسبق من قوى الاستخبارات أو بغباء مستحكم من مجموعة هواه في فن الاغتيال السياسي... لكن فرصته قد أتت فعليه استثمارها بعقلية "شيلوك" التاجر اليهودي.. لكن ما ينغص عليه الأمر وقد يقلل من فرص نجاحه في استمرار الوضع هو الأصوات المعارضة للعملية برمتها من أعضاء حزبه والحزب الديمقراطي ووسائل الإعلام المعارضة له باعتبار عملية الاغتيال ضد ما يشيعونه من المبادئ والأخلاقيات الأمريكية حول احترام حقوق الإنسان.. وعدم دعم حاكم يرتكب جريمة قتل علنية بهذه البجاحة والسذاجة والبشاعة ضد معارض وعلي ارض دوله أخري وفي جهة دبلوماسية... ترامب يطمع في تجفيف ضرع البقرة من الحليب واستغلال إستكانتها واستسلامها وبعض الأمريكان ما يزالون يحاولون المحافظة علي صورة أمريكا كحامية للحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان... وستكون الأيام القادمة حبلي بالكثير من الأحداث التي سيعلم الجميع من خلالها أي الاتجاهين الفائز... الإبقاء عليه "بن سلمان" والاستفادة القصوى من وهنه وضعفه.. أو إزاحته من ولاية العهد والاستمرار في استنزاف مقدرات وثروات السعودية من القادم الجديد... وكذلك أردوجان الذي يمارس السياسة ببراجماتية شديدة وبعيدا عن العواطف.. فالرجل يريد أيضا أن يخرج كاسبا من القضية مع المحافظة علي ماء الوجه بالتذكير بالمبادئ والقيم والأعراف التركية... ولعله بعدم تسرعه بإعلان كافة الأدلة.. وخطابه الهادئ تجاه السعودية وتنسيقه مع الجانب الأمريكي يعطي لنفسه الفرصة للخروج بأكبر المكاسب وأقل الخسائر كما خرج من قضية قتل الأتراك بيد الإسرائيليين في حادثة السفينة مرمره... حيث أطلق التصريحات والتهديدات وفي النهاية تم تسوية الأمر سياسيا
عموما ما تزال القضية مفتوحة وكل ما نخشاه أن يتوزع دم جمال خاشقجي بين القبائل السياسية. والموازنات والملائمات والمصالح بين الدول ولا يبقي له إلا بعض جمعيات حقوق الإنسان التي تسجل الأمر كجريمة ورقم في سجل ما سبقها من جرائم وانتهاكات.

 

د. جمال المنشاوي
* كاتب مصري

 

إقرأ ايضا