الشبكة العربية

الثلاثاء 14 يوليه 2020م - 23 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

لماذا لم يتعاون الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح مع الرئيس مرسي ؟

عقب إعلان المجلس العسكري ، برئاسة المشير طنطاوي ، عن موعد إجراء الانتخابات الرئاسية في 2012 ، دب حراك سياسي واسع في مصر ، وبدأت شخصيات عديدة تجهز نفسها وأوراقها للتقدم للانتخابات ، وأسماء عديدة تطرح ، وأسماء تقرر الانسحاب مبكرا ، وأسماء كوميدية تتقدم ويحتفل بها الإعلام مثل حلاق وموظف صغير وغيرهم .
في تلك الفترة كانت جماعة الإخوان قد تعهدت أمام قوى الثورة بعدم المزاحمة على منصب رئيس الجمهورية لفترتين انتخابيتين ، حرصا منها على التوافق الوطني ، وطمأنة شركاء الثورة على أن الجماعة زاهدة في السلطة ، وأنها ستدعم المرشح الذي يحقق أهداف الثورة من خارج الجماعة ، وكان قرارا حكيما وأضفى حالة من الهدوء والثقة في مختلف الأوساط السياسية ، ثم بدأت الجماعة وقتها حملة علاقات عامة للبحث عن المرشح الأفضل لدعمه ، وبدأت تتواصل مع قوى سياسية وإعلاميين ومثقفين بغرض جلاء هذا الأمر ، ثم فجأة نقضت الجماعة عهودها ، وتراجعت عن التزامها أمام قوى الثورة بعدم تقديم مرشح للرئاسة وهو ما جعل تلك القوى تشعر بخطورة نوايا الجماعة وضعف الثقة بأي تعهدات لها ، وقد كتبت في ذلك الوقت محذرا الجماعة من عواقب مثل هذا النكوص بالتعهدات .

نص مقال "المبررات أسوأ من القرار ذاته" https://www.masress.com/almesryoon/112798

كما كتبت محذرا الجماعة من أن إقدامها على طرح مرشح للرئاسة الآن سيتسبب في تفتيت قوى الثورة وضرب بعضها ببعض ، وهذا يعرض مسار ثورة يناير كله للضياع مبكرا .

نص مقال  "لماذا لا يصلح "إخواني" للرئاسة الآن ؟"
https://www.masress.com/almesryoon/115318

ولم أكن وحدي الذي حذر الجماعة من تلك الخطوة ، فقد كتب الأستاذ فهمي هويدي ـ متعه الله بالصحة والعافية ـ مقالا تاريخيا بعنوان "هل وقعت الجماعة في الفخ ؟" ، يحذر من خطورة ترشح الإخوان لمنصب الرئاسة ، ويقول أن حالة مصر الآن لا تهضم أن يستولي الإخوان على مجلس الشعب ومجلس الشورى والهيئة التأسيسية للدستور ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية ، وأن هذا سيهيج عليها قوى كثيرة في الداخل والخارج ، وقال أن هذه فتنة للإخوان وورطة ، وألمح إلى أنه "شرك" وضعه لهم المجلس العسكري لتوريطهم ، وقد علق على هذا المقال الدكتور محمد البلتاجي على صفحته في "فيس بوك" قائلا : نعم وقعنا في الفخ ! ، في أول إشارة على قلق قيادات من داخل الجماعة من خطورة تلك الخطوة وعواقبها ، وبالمناسبة كان "البلتاجي" ـ وهو واحد من أنبل من عرفتهم السياسة المصرية في تاريخها ـ أول من حذر الجماعة من "اللواء" عبد الفتاح السيسي ، هو وأبو إسماعيل ، غير أن الجماعة طلبت منه الصمت وعدم التحدث في الموضوع ، ونحته بعيدا عن أي قرار أو موقف يتعلق بالسيسي من وقتها ، ولذلك كان تنكيل النظام الجديد بالبلتاجي وأسرته بالغ العنف ، وذلك حديث يطول .

نص مقال "هل وقعت الجماعة في الفخ ؟!"
https://www.masress.com/almesryoon/334573

المهم ، أنه قبل تورط الجماعة في الترشح ، ونكوصها عن تعهداتها ، وقتها زارني في مكتب صحيفة المصريون ، وسط القاهرة ، الصديق الأستاذ قطب العربي ، الصحفي الإخواني المعروف ، ومعه ثلاثة من الإعلاميين الإخوان ، لست في حل من ذكر أسمائهم الآن لظروفهم في القاهرة ، لكي يستمزجوا رأينا في المرشح الذي نقترحه على الجماعة كرئيس للجمهورية ، أذكر في الحوار أنني حدثتهم طويلا عن ظروف ثورة يناير ، وخصوصيتها ، وأنها انتصرت بتحالف شعبي ضخم ، وتمازج فريد واستثنائي بين الإسلاميين والتيارات المدنية الأخرى ، من أقصى اليمين لأقصى اليسار ، وشارك فنانون ورجال دين مسلمون وأقباط ومحجبات وسافرات ومؤمنون وملحدون ولحية إسلامية ولحية شيوعية ، وكان هذا سر صلابة ميدان التحرير وانتصاره ، وبالتالي ـ حسب رأيي وقتها ـ أن مصر في هذه اللحظة التاريخية بحاجة إلى مرشح توافقي ، يمثل جسرا بين هذا النسيج كله ، ويبعث بالثقة لدى الجميع ويمنع الاستقطاب وتمزيق قوى الثورة .

كان كلامي يقترب تدريجيا من شخص بعينه في الحالة الإسلامية تنطبق عليه تلك المواصفات ، ويبدو أن الوفد الإخواني فهم المقصد فسألوني بتوتر وتحفز : من تقصد إذن ؟ فقلت لهم على الفور : الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ، لم أكمل الاسم ، ولم أصل إلى حرف الحاء ، حتى رفضوا جميعا وانتفض أحدهم واقفا وهو يصرخ : لا ، لا ، أبو الفتوح لا ، كنت مندهشا من رد الفعل العنيف والعصبي ، وطلبت منه الهدوء والجلوس ، وسألتهم : لماذ أبو الفتوح لا ، هل هناك شبهات مخلة عليه ، هل هناك اتهامات بالفساد مثلا ، هل الرجل منحرف دينيا ، هل الرجل ليس من أبناء التيار الإسلامي ، هل الرجل ألحد مثلا ، كنت أطرح الأسئلة بشيء من الغيظ والضيق من المشهد الذي رأيته ، بطبيعة الحال ، لم يجب أحد منهم عن الأسئلة ، ولم يوضح لماذا هذا الرفض الهستيري من قبل الجماعة لأبو الفتوح ، ولماذا هذه الحساسية الكبيرة من مجرد ذكر اسمه .
والحقيقة أني كتبت أيامها مرارا ، أشرح للجماعة لماذا يمثل أبو الفتوح حلا توافقيا للمنصب .

نص مقال "هل يكون أبو الفتوح هو الرئيس التوافقي ؟"
https://www.masress.com/almesryoon/115026

كما كتبت موضحا أسباب تحذيري من طرح الجماعة مرشحا للرئاسة في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ الثورة الغضة .

مضت الأيام ، وترشح أبو الفتوح وتعثرت أوراق المهندس خيرت الشاطر فتم طرح اسم الدكتور محمد مرسي مرشحا عن الجماعة ، وقد انحزنا في الجولة الأولى لقناعتنا ومنحنا أصواتنا للدكتور عبد المنعم ، وكان هذا انحياز العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أيضا ، ولما سرب الإخوان كلاما غير صحيح بأن القرضاوي سحب تأييده لأبو الفتوح اضطر الشيخ إلى أن يصدر بيانا علنيا يؤكد فيه دعمه انتخاب "أبو الفتوح" رغم حب الشيخ لجماعة الإخوان .

نص مقال "عتاب إلى الإخوان" ، الذي أعاتبهم على ما فعلوه مع القرضاوي
 https://www.masress.com/almesryoon/118017

 فلما خرج أبو الفتوح من السباق ، وانحصرت جولة الحسم بين مرسي وشفيق ، كان القرار بدون تردد التصويت لمحمد مرسي ، وأذكر وقتها أن الدكتور عبد المنعم ـ بكل نبل ـ أعلن دعمه لمرسي وعقد مؤتمرات لحشد أنصاره للتصويت لمرسي ، ودعا الكتلة التي صوتت له في الجولة الأولى (أكثر قليلا من أربعة ملايين صوت) للتصويت للدكتور مرسي كمرشح للثورة .(مرسي جمع من حشود الإخوان حوالي خمسة ملايين ونصف المليون فقط لا غير ـ وفي الجولة الثانية فاز لما احتشدت معه كتلة أبو الفتوح وكتلة حزب النور ، فاضافوا له حوالي ثمانية ملايين صوت) .
بعد نجاح الدكتور مرسي ـ رحمه الله ـ مضت الشهور وأنا ألاحظ أن اسم أبو الفتوح يختفي تماما من المشهد "الرسمي" ، ولا يوجد أي لقاء له مع الرئيس ولا قيادات الجماعة ولا مؤسسة الرئاسة ولا يطرح اسمه أبدا في أي مجال له طابع رسمي سواء في مؤسسة الرئاسة أو غيرها ، فأبديت استغرابي من "تهميش" شخصية بهذا النبل ، وذلك الحضور السياسي الكبير ، وكيف لا يستفيد منها الرئيس وهو يواجه أعاصير كثيرة تنتظره وبدأت تتشكل في الأفق من الأشهر الأولى ، ووجهت هذا التساؤل لقيادت إخوانية وشخصيات رسمية فكان الرد دائما أننا عرضنا على الدكتور عبد المنعم أكثر من منصب لكنه كان يعتذر ويرفض التعاون مع الرئيس مرسي ، وترك الرئيس وحده في المعترك .

استغربت من موقف أبو الفتوح الذي نقله لي الإخوان ، وهم بالمناسبة كانوا يقولون ذلك على كثير من رموز الثورة ، وبعد حوالي أربعة أشهر اتفقت مع الدكتور عبد المنعم على إجراء حوار صحفي معه لصالح "المصريون" فوافق مشكورا ، وتم تحديد الموعد في مقر حزب "مصر القوية" بحي "جاردن سيتي" .
أعددنا الأسئلة جيدا ، وتم تكليف زميل محرر ومعه مصور لإجراء الحوار ، وذهبت معهم من أجل السلام على "أبو الفتوح" وتقديرا لشخصه ، أجرينا الحوار ، وكان ضمن الحوار سؤال محرج وهو : لماذا رفض الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح التعاون مع الرئيس محمد مرسي ؟ ولماذا يتركه وحيدا في هذه الأوقات الصعبة ؟ ، اندهش الدكتور عبد المنعم ، وطلب وقف التسجيل ، ثم نظر لي وقال : من قال لك هذا يا أستاذ جمال ؟ قلت له : الإخوان ، فقال بنبرة حزينة : اسمع يا أخ جمال ، عندما خرجت من سباق الانتخابات بعد الجولة الأولى دعوت المكتب السياسي للحزب للاجتماع وقررنا الاحتشاد خلف الدكتور مرسي كمرشح لقوى الثورة ضد مرشح "الفلول" ، وطوال الأسبوعين اللذين جرت فيهما جولة الإعادة كان الدكتور مرسي وقيادات جماعة الإخوان يتصلون بي يوميا ، أكرر : يوميا ، ولكن بعد نجاح الدكتور مرسي رسميا وتوليه المسؤولية ، وحتى يومنا هذا لم يتصل بي أحد منهم ولو مرة واحدة .
ثم طلب مني ، بنبل شديد ، أن لا أنشر ذلك ضمن الحوار الصحفي الآن ، تحاشيا لإحراج الرئيس وهو يعاني تحديات كثيرة وحتى لا توظف ضده من معارضيه ، والتزمت وقتها بطلبه ولم أنشر هذه الفقرة في الحوار المنشور .
ظللت طوال أشهر ـ أثناء حكم مرسي ـ وأنا أسمع بمرارة شديدة تصريحات الإخوان عن "خذلان" أبو الفتوح للرئيس ، وقفزه من السفينة ، وتركه الرئيس وحيدا ، وأن الجماعة عرضت عليه كذا وكذا وهو رفض ، إلى آخر ما اعتاد الإخوان تسريبه للخروج من سؤال الآخرين : لماذا تجاهلتم رموز الثورة وقواها الحية في دولة ما بعد يناير ؟ فيقدمون سلسلة من الخرافات والخيالات للهرب من خطأ "الانفراد" بالسلطة ، وإبعاد كل من يرونه شخصية آسرة أو لها حضور كبير .

حتى اليوم ، لا يطيق الإخوان ذكر اسم "أبو الفتوح" ، رغم أنه ابن الجماعة ، وأحد أبرز الشخصيات التي أحيت الجماعة بعد شبه موات في بداية السبعينات ، وضخ فيها دماء جديدة من الوسط الطلابي والأجيال الجديدة وقتها ، أعادت لها الروح ومنحتها الانتشار في أوساط الجامعات والنقابات ثم العمل السياسي والبرلماني ، ورغم أنه عضو مكتب الارشاد سابقا ، ولا يوجد أي سبب مفهوم ـ في حدود علمي ـ لتلك الكراهية العنيفة والشديدة لهذه الشخصية التي يحترمها كل من عمل بقربها أو تعرف عليها عن قرب .

وأختم سلسلة الحوارات تلك ، بحوار لي مع الرئيس محمد مرسي ، رحمه الله ، في مكتب إرشاد جماعة الإخوان ، بحضور المهندس علي عبد الفتاح والدكتور جمال نصار .

 

إقرأ ايضا