الشبكة العربية

الإثنين 18 مارس 2019م - 11 رجب 1440 هـ
الشبكة العربية

لماذا يقلق حزب اردوغان من الانتخابات البلدية هذا الشهر ؟


الأجواء السياسية في تركيا ازدادت سخونة في الأسابيع الأخيرة ، مع اقتراب موعد المنازلة الديمقراطية الأهم بعد انتخابات البرلمان والرئاسة الماضية ، والتي حسمها الحزب الحاكم بصعوبة وبفارق ضئيل ، الآن تركيا أمام استحقاق الانتخابات البلدية ، وقد لا يرى المشرقيون أو نشطاء العالم الثالث بشكل عام أهمية كبرى لتلك الانتخابات ، وربما ينظرون إليها على أنها أقل أهمية وأولوية من الانتخابات البرلمانية ، لكن المنظومات السياسية الديمقراطية لها نظرة مختلفة جدا تجاه تلك الانتخابات ، وتحشد لها الأحزاب بكل قوة ، ويعتبرونها المفتاح الحقيقي للسلطة وللوصول إلى قلب الشعب وعقله ، وجيبه أيضا .
يكفي أن يعرف القارئ العربي أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ، وهو رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم أيضا ، طلب من أحد أكبر قيادات حزبه والذي يشغل حاليا منصب رئيس البرلمان التركي ، الدكتور مهندس بن علي يلدريم ، أن يتنازل عن رئاسة البرلمان لكي يتمكن من النزول كمرشح للحزب على بلدية اسطنبول ، العاصمة التجارية والسياحية الأهم ، ولك أن تتخيل أن الحزب الحاكم يرى أن فوزه ببلدية مدينة ، أهم من فوزه برئاسة البرلمان للدولة بكاملها ، ويذكر أن "يلدريم" كان رئيس وزراء تركيا قبل عام واحد ، ولم ينزل من موقعه إلا بعد الاستفتاء الدستوري الذي حول النظام السياسي لنظام رئاسي وليس برلماني ، وأيضا من جديد ، تخيل أن رئيس الوزراء ، بعد ذلك المنصب الرفيع يترشح لرئاسة بلدية مدينة .
في تركيا إدراك واضح من جميع الأحزاب والقوى السياسية ، أن الانتخابات البلدية هي المفتاح الحقيقي للسلطة ، وهي الممهد السياسي الطبيعي للنجاح في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية بعد ذلك ، نظرا لأن البلديات تتماس مع هموم الناس المباشرة ، وتفاصيل حياتهم اليومية ، من مدارس ومستشفيات وطرق ومواصلات وبنية أساسية بشكل عام وتوفير السلع الأساسية وغير ذلك ، والبلديات لها ميزانيات مستقلة وكل بلدية هي صاحبة القرار في توجيهها وإنفاقها ، فالحزب الذي ينجح في بلدية من البلديات ويؤدي أداء خدميا جيدا يكون قد وضع تلك البلدية في جيبه الانتخابي عند أي استحقاق آخر ، برلماني أو غيره ، وفي الأدبيات السياسية التركية عبارة تقول أن من يفوز ببلدية ثلاث مدن : اسطنبول وأنقره وأزمير ، يحكم تركيا .
اسطنبول هي أم المعارك الانتخابية في البلديات هذا الشهر ، وبلدية اسطنبول لها ميزانية أكبر من ميزانية دول عربية مهمة ، أكثر من 11 مليار دولار سنويا ، كما أن ميزانيتها أكبر من ميزانية اي وزارة في الحكومة التركية ، وهناك قلق من الحزب الحاكم أن تفلت منه هذه المرة ، لذلك رمى فيها بالثقل الكبير ، بن علي يلدريم ، رئيس البرلمان ورئيس الوزراء الأخير ، ومهندس النهضة الصناعية في تركيا ، والحملات الانتخابية مستعرة الآن في شوارع اسطنبول وكثير من ميادينها ، ووسائل الإعلام تعطي مساحات واسعة للمرشحين ، وأجهزة الدولة الإعلامية الرسمية تعطي مساحات متكافئة لجميع الأحزاب ، التزاما بالقانون ومبدأ تكافؤ الفرص ، ولا تكون مفاجأة أبدا عندما ترى أو تسمع أحد مرشحي المعارضة التركية أو قادتها وهو يملأ شاشة التليفزيون الرسمي للدولة لكي يمسح البلاط بالحزب الحاكم وسياساته ورموزه ، فالملعب السياسي يتسع للجميع ، والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة خط أحمر غير قابل للتجاوز ، وأجهزة الدولة بكاملها تعمل تحت رقابة البرلمان والإعلام والشارع معا .
ما زال حزب العدالة والتنمية هو الأقوى والأكبر والأكثر فرصا ، نظرا لأنه أنجز بالفعل على أرض الواقع خلال الخمسة عشر عاما الماضية إنجازات مذهلة ، في الخدمات العامة والبنية الأساسية والتعليم والصحة وفرص العمل والسكن وجودة الحياة بشكل عام ، ويرى المواطن التركي الآن بوضوح كيف أن بلاده أصبحت تضاهي أكثر الدول الأوربية في مستويات النظافة والنظام والنهضة الاقتصادية ، لذلك يظل الحزب يتربع في قلوب ملايين الأتراك وله قاعدة انتخابية ثابتة.
المعارضة التركية مشكلتها أنها تستسهل معارك "الأيديولوجيا" وتقمص دور حماية العلمانية أكثر من المصالح الوطنية ومصالح المواطن ، لذلك معظم معاركها مع اردوغان وحزبه لها ظلال ايديولوجية ، أما على صعيد المناظرات المتعلقة بالواقع والإنجاز والمصالح فالعدالة يكتسح بسهولة ، ومشكلة حزب العدالة والتنمية الحاكم الأهم الآن ، هي مشكلة الأحزاب الحاكمة الكبيرة عندما تبقى في السطلة فترات طويلة نسبيا ، حيث تجتذب نماذج وشخصيات طفيلية تبحث عن فرص للثراء أو دفء القرب من السلطة ، وهو ما يسيء للحزب ، وقد عمل اردوغان على فلترة كوادر الحزب القيادية أكثر من مرة في السنوات الماضية لتفادي هذه المشكلة .
التجربة التركية مهمة جدا للعالم العربي والعالم الثالث ، لأنها تجربة تحاول المزج بين الهوية والحداثة ، بين القيم الأساسية للمجتمع الشرقي والقيم الديمقراطية لدولة علمانية تعددية ، تلتزم بقواعد الحريات العامة والتداول السلمي للسلطة ، ولا شك أن هناك أخطاء ، كما أن الديمقراطية التركية التي لم تحسم هيمنة العسكريين وأجهزتهم الأمنية على القرار السياسي إلا قبل عشر سنوات تقريبا ، يصعب أن تضعها في مصاف ديمقراطية أكثر عراقة مثل الديمقراطية البريطانية ، لكن هذا لا يبرر للنخب العربية الانجذاب إلى سطحية التفكير والتقييم ، أو تصور أن تركيا دولة قمعية أو ديكتاتورية ، أو ممارسة التقويم السياسي وفق قاعدة "كل شيء أو لا شيء" ، وهو ما يحرمنا من تبصر تجارب وخبرات قريبة وملهمة ، خاصة عندما ندرك من سيرورة التاريخ ، أن الإصلاح السياسي عملية تدريجية ومتنامية ، والانتقال إلى الديمقراطية ودولة المؤسسات في تركيا تم عبر مسار إصلاحي طويل ، وليس عبر ثورات ، لذلك تظل تركيا نموذجا مزعجا للغاية للديكتاتوريات العربية ، بالقدر نفسه التي تمثل إزعاجا كبيرا لعواصم أوربية كبرى ، ترى في تركيا واردوغان خصما يعادونه أكثر من الدكتاتوريات العسكرية العربية نفسها ، لأنه تحد حقيقي لأوربا ، وتجربة تاريخية رمزية إذا نجحت يمكن أن تتعدى لدول أخرى في المنطقة ، وتعيد التوازن بين الشرق والغرب ، وتقطع مسار التبعية ، وتحرر العالم العربي من موقعه كسوق وفضاء للرشى الأوربية ـ السياسية والمالية ـ التي تبتز الديكتاتوريات العربية لاحتلاب مقدرات شعوبها ، وإبقائها في ظلام الجهل والفقر والظلم والتمزق والإحباط .
 

إقرأ ايضا