الشبكة العربية

الثلاثاء 29 سبتمبر 2020م - 12 صفر 1442 هـ
الشبكة العربية

مسألة أخذ المضحي من شعره وأظفاره.. تنبيهات مهمة

أخرج مسلم ( 1977) من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيتم هلال ذي الحجة ،وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) وفي رواية : ( فلا يمس من شعره وبشره شيئاً ) .والحديث أخرجه أيضاً أصحاب السنن الأربعة ،وهو حجة لمن ذهب من العلماء إلى حرمة أن يأخذ من نوى الأضحيةَ شيئاً من شعره أو أظفاره أو بشره ( والبشرة ظاهر الجلد ) إذا رؤي هلال ذي الحجة كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله .
ولكن الأمانة العلمية تقتضي أن نشير إلى أن ثمة خلافاً وقع بين العلماء في هذه المسألة ،بل إن الجمهور على خلاف قول الحنابلة ، فمن أهل العلم من قال بالكراهة فقط ،كما هو قول الإمامين مالك والشافعي ،بل هو قول لبعض الحنابلة كما ذكر ابن قدامة في المغني (11/ 96) . وأما الإمام أبو حنيفة فقد نسب إليه ابن قدامة ، وكذا النووي في شرح مسلم ( 7/ 154) القول بالجوازبلا كراهة.
والأقرب والله أعلم ما ذهب إليه الحنابلة من القول بالحرمة ، وذلك لما مرَّ في الحديث من النهي الصريح عن ذلك . وإن كان القائلون بالكراهة قد يكون لهم متمسك فيما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( ﺃﻧﺎ ﻓﺘﻠﺖ ﻗﻼ‌ﺋﺪ ﻫﺪﻱ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺑﻴﺪﻱ، ﺛﻢ ﻗﻠﺪﻫﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺑﻴﺪﻳﻪ، ﺛﻢ ﺑﻌﺚ ﺑﻬﺎ ﻣﻊ أَبي  ﻓﻠﻢ ﻳَﺤﺮُﻡ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺷﻲﺀ ﺃﺣﻠﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﺣﺘﻰ ﻧﺤﺮ ﺍﻟﻬﺪي ) . أي باعتبار ما جاء في هذا الحديث قرينةً تصرف النهي الذي في حديث أم سلمة من التحريم إلى الكراهة ، وقد نقل النووي في شرح مسلم هذا المعنى عن الإمام الشافعي رحمه الله . ومع ذلك فمما يقوي رأي الإمام أحمد أنه يمكن الجمع بين الحديثين ، بحمل حديث عائشة ،كما ذكر ابن قدامة في المغني ( 11/ 96) على غير هذه الثلاثة ، أي أنه صلى الله عليه وسلم  لم يكن يجتنب النساء ولا الطيب ولا اللباس ولا غير ذلك مما يتكرر ، وأما ما لا يفعل إلا كل عدة أيام كقص الشعر ،وقلم الأظفار ،فالظاهر أنها لم تُرده بخبرها، فيُعمل فيه بحديث أم سلمة .
أما قول الحنفية في الجواز بلا كراهة ،فإنه مما لم يتبين لي وجهه ، خاصةً وأنهم يرون أنَّ من بعث بهديٍ إلى الحرم ،أنه يلزمه اجتناب كل ما يجتنبه المحرم كما نقله النووي في شرح حديث عائشة من صحيح مسلم ( 5/ 82) . أي أنهم خالفوا الحديثين : حديث أم سلمة في الأضاحي ، وحديث عائشة في الهدي . ولعله من أجل هذا خالف بعض متأخريهم في مسألة الأضاحي فقالوا بقول الجمهور في كراهة أخذ شيء من الشعر والأظفار ، كما هو قول ابن عابدين في حاشيته : ( 2/ 177) .  
وعلى كل حال ، فإنه على القول بالتحريم أو الكراهة يحسن التنبيه على أمور منها :
1-أن النهي عن الأخذ من الشعر أو الأظفار أو الجلد لا يعني عدم صحة الأضحية لمن وقع منه شيء من ذلك ،بل الأضحية صحيحة مجزئة بإذن الله ، وليس عليه فدية ولا كفارة ،وإن كان يلزمه -على القول بالتحريم- التوبة والاستغفار ؛قال ابن قدامة في المغني بعد أن نصر مذهب الحنابلة في التحريم : ( فإن فعل استغفر الله تعالى ، ولا فدية فيه إجماعاً ، سواء فعله عمداً أو نسياناً).
2-من نوى الأضحية قبل دخول الشهر فإنه يمسك عن هذه الأشياء مع بداية العشر الأوائل من ذي الحجة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم هلال ذي الحجة .... إلخ ) .ويبدأ ذلك بغروب شمس آخر أيام ذي القعدة ، وذلك أن الليالي في شريعة الإسلام سابقة على الأيام .
3-وأما من لم يكن نوى الأضحية  ،ثم نوى في أثناء العشر فإن هذا الحكم لا يلزمه إلا من وقت نيته لقوله : ( وأراد أحدكم أن يضحي ) فعلق الأمر بإرادة الأضحية ،وهي النية .
4-إنما يُمنع من الأخذ من الشعر والأظفار المُضحِّي وحده دون أهل بيته ، وذلك لأن الخطاب في الحديث موجه لمن أراد أن يضحي ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وأراد أحدكم أن يضحي ) ،ولم يقل : ( أو يضحى عنه) ؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يضحي عن أهل بيته ،ولم ينقل عنه أنه أمرهم بالإمساك عن ذلك، كما ذكر الشيخ ابن عثيمين في : ( أحكام الأضحية والذكاة ).
5-بعض العامة حين يذكر لهم هذا النهي يفهمون أن المضحي يمنع من كل ما يمنع منه المُحرم وبخاصة أمر الجماع ، والصحيح أنه لا يلزمه اجتناب شيء آخر مما يجتنبه المحرم ،غير ما ذكر في الحديث .
6-نهاية هذا المنع بالذبح ،فمتى ذُبحت الأضحية جاز له ما كان منهياً عنه ،وذلك لما جاء في بعض روايات الحديث عند مسلم وأبي داود : (.. فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يُضحي ). وقد رأيت لبعض أهل العلم المعاصرين كلاماً مفاده أن العبرة بدخول وقت الذبح وليس الذبح حقيقة ، ولكن الأولى – والله أعلم- الالتزام بما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم : ( حتى يضحي ) .
7-من انكسر له ظفر فتأذى به ،فله قص ما يتأذى به ، وكذلك الشعر ،مثل أن يكون به جرح فيحتاج إلى قص الشعر عنه . وذلك لأن هذه الأشياء جائزة بالنسبة للمحرم بالحج والعمرة إذا احتاج إلى شيء منها ، وهو منقول عن ابن عباس فيما رواه الدارقطني والبيهقي وصححه الألباني في حجة النبي صلى الله عليه وسلم ( ص: 28)، ونقل الإجماع على ذلك ابن قدامة في المغني ( 3/ 26) ، وما دام ذلك قد جاز في الإحرام فهو في حالة الأضحية -المختلَف في حكم المنع فيها أصلاً -أولى بالجواز.
8- هذا الحكم لا يتناول الوكيل ؛فمن وكَّلّ شخصاً بأن يذبح عنه فإن صاحب الأضحية هو المخاطب بهذا الحكم ،أما الوكيل فلا يمنع من ذلك إلا إذا كان مضحياً عن نفسه أيضاً .
9-وأما الحكمة من هذا النهي ،فقد قيل كما ذكر النووي في شرح مسلم : إن الحكمة أن يبقى المضحي كامل الأجزاء ليعتق من النار كاملاً .ثم غلَّط القول بإن حكمة ذلك التشبه بالحجيج ،فقال : ( قال أصحابنا : هذا غلط ؛لأن المضحي لا يعتزل النساء ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم ). والظاهر -والله أعلم - أنه لا يمتنع أن يكون التشبه بالحجيج مقصوداً أيضاً ، إذ لا يلزم المشابهة من كل وجه ،وذلك أن المضحي –كما يقول الشيخ ابن عثيمين في ( أحكام الأضحية والذكاة )- لما شارك الحاج في بعض أعمال النسك ،وهو التقرب إلى الله بذبح القربان، شاركه في بعض خصائص الإحرام من الإمساك عن الشعر والظفر ونحوه.
10-وأخيراً :فإني أختم بتعليق سريع على ما انتشر على صفحات التواصل مؤخراً ، من تشكيك  في هذا الحكم الشرعي ، ومنه كلام معزوٌ للشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ، الرئيس السابق للمحاكم الشرعية بقطر ،كنت قد قرأته في مقال له بمجلة الأمة عدد ذي الحجة 1403ه ، ومضمونه التشكيك في حديث أم سلمة حيث قال : ( هذا الحديث ورد من طريق أم سلمه وحدها، ولم يروه أحد من الصحابة غيرها، وقد أنكرت عائشة على أم سلمة هذا الحديث مبينة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا في حق من أحرموا بالحج، وذلك لكون أهل المدينة يهلون بالحج عند طلوع هلال ذي الحجة، قالت: ولقد فتلت قلائد هدى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمتنع من شيء كان مباحاً ،أي لامن الطيب ولا من النساء، ولا غير ذلك من شعره وأظفاره ) .وأكتفي في التعليق بما يلي :
أ-اعتبر رحمه الله انفراد أم سلمة برواية الحديث مدعاةً للتشكيك في صحته . والصحيح أن انفراد الصحابي برواية حديث ليس بقادح فيه .وهذه دواوين السنة مملوءة بالأحاديث التي لم يروها غير صحابي واحد ، ومع ذلك فهي -متى ما صح سندها إلى ذلك الصحابي- متلقاة من الأمة بالقبول .فحديث : ( إنما الأعمال بالنيات ) ، مثلاً ،وهو فاتحة صحيح البخاري ،لم يروه إلا عمر رضي الله عنه ، ومع ذلك فهو أحد الأحاديث العظام ،التي عليها مدار الإسلام كما ذكره الإمام النووي وغيره .
ب-ومع ذلك فلم تنفرد أم سلمة بذكر هذا الحكم ،بل كان كثير من الصحابة يقولون به، كما في مستدرك ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ (4/ 221) ﻋﻦ ﻗﺘﺎﺩﺓ ﻗﺎﻝ: ( جاء رجل من عتيك فحدث سعيد ﺑﻦ ﺍﻟﻤﺴﻴﺐ أن ﻳﺤﻴﻰ ﺑﻦ ﻳَﻌْﻤﺮ يقول : من اشترى أضحية في العشر فلا ﻳﺄﺧﺬ ﻣﻦ ﺷﻌﺮﻩ ﻭأظفاره . قال ﺳﻌﻴﺪ: نعم ، فقلت : عمن يا أبا محمد؟ قال : عن  ﺃﺻﺤﺎﺏ رسول الله ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ).  والخبر صححه الشيخ الألباني في الإرواء (4/ 377 ـ 378) ، ثم قال :( وفي هذا دليل على أن هذا الحديث كان مشهوراً بين الصحابة رضي الله عنهم ، حتى رواه ابن المسيب عن جماعة منهم ، وهو وإن لم يصرح بالرفع عنهم ،فله حكم الرفع ؛لأنه لا يقال بالاجتهاد والرأي ).
ج-وكذا لا يصح قوله :إن عائشة أنكرت على أم سلمة ، لأنها إنما أنكرت على ابن عباس ، كما أخرجه البخاري ( 1700) ومسلم ( 1321) عن ﻋَﻤْﺮﺓ ﺑﻨﺖ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ : ( أن زياداً  ﻛﺘﺐ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﺎ: ﺇﻥ ﻋﺒﺪﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻗﺎﻝ: ﻣﻦ ﺃﻫﺪﻯ ﻫﺪﻳﺎً ﺣَﺮُﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺎ ﻳَﺤﺮُﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺎﺝ ﺣﺘﻰ ﻳﻨﺤﺮ ﻫﺪﻳﻪ. ﻗﺎﻟﺖ ﻋﻤﺮﺓ: ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻋﺎﺋﺸﺔ : ﻟﻴﺲ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ، ﺃﻧﺎ ﻓﺘﻠﺖ ﻗﻼ‌ﺋﺪ ﻫﺪﻱ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺑﻴﺪﻱ، ﺛﻢ ﻗﻠﺪﻫﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺑﻴﺪﻳﻪ، ﺛﻢ ﺑﻌﺚ ﺑﻬﺎ ﻣﻊ أَبي  ﻓﻠﻢ ﻳَﺤﺮُﻡ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺷﻲﺀ ﺃﺣﻠﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﺣﺘﻰ ﻧﺤﺮ ﺍﻟﻬﺪي) .
 د-نعم قد يُرى تعارض ظاهر بين حديثي أم سلمة وعائشة .وقد أشرنا إلى ما ذكره ابن قدامة في الجمع بينهما ،من أن حديث عائشة عام ، وحديث أم سلمة خاص ، فيُنزَّل حديث عائشة على غير ما جاء في حديث أم سلمة ،أي لا يجتنب المضحي إلا الأشياء الواردة في حديث أم سلمة .هذا ﻭقد أجاب الإمام ﺃﺣﻤﺪ بجواب آخر ،حيث ذكر كما في ﺍﻟﺘﻤﻬﻴﺪ ﻻ‌ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺒﺮ( 17 / 234  ) أنه ﺫﻛﺮ الحديثين ﻟﻌﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﻦ ﻣﻬﺪﻱ ، فلم يُفده بشيء في الجمع بينهما ﻗﺎﻝ: ( ﻓﺬﻛﺮﺗﻪ ﻟﻴﺤﻴﻰ ﺑﻦ ﺳﻌﻴﺪ، ﻓﻘﺎﻝ ﻳﺤﻴﻰ: ﺫﺍﻙ ﻟﻪ ﻭﺟﻪ ،ﻭﻫﺬﺍ ﻟﻪ ﻭﺟﻪ،ﺣﺪﻳﺚ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﺇﺫﺍ ﺑﻌﺚ ﺑﺎﻟﻬﺪﻱ ﻭﺃﻗﺎﻡ، ﻭﺣﺪﻳﺚ ﺃﻡ ﺳﻠﻤﺔ ﺇﺫﺍ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻥ ﻳُﻀﺤﻲ ﺑﺎﻟﻤِﺼْﺮ، ﻗﺎﻝ ﺃﺣﻤﺪ: ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺃﻗﻮﻝ) . أي أن حديث عائشة يدل كما ذكر ابن القيم في تهذيب السنن ( 7/ 347) على أنَّ من بعث بهديه ، وأقام  في أهله فإنه يُقيم حلالاً ،ولا يكون مُحرماً بإرسال الهدي، وأما حديث أم سلمة فيدلُّ على أن مَن أراد أن يُضحِّي أمسكَ في العشر عن أخذ شعره وظفره.  ثم قال رحمه الله : ( فأيّ منافاة بينهما ؟ ولهذا كان أحمد وغيره يعمل بكلا الحديثين، هذا في موضعه، وهذا في موضعه ).هذا والله أعلم

 

عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين

 

إقرأ ايضا