الشبكة العربية

السبت 18 يناير 2020م - 23 جمادى الأولى 1441 هـ
الشبكة العربية

معركة الميادين وصراع الهوية في تركيا (1/2)


مدينة اسطنبول هي جوهرة تركيا ، كما كانت جوهرة أوربا عبر التاريخ "القسطنطينية" ، وهي مدينة مترعة بعبق التاريخ ، عبر حواضر عديدة وحضارات متنوعة ، غير أن البصمة الأهم فيها هي البصمة الإسلامية ، من خلال الميراث "العثماني" الطويل ، حيث حولها العثمانيون إلى عاصمة العالم القديم ، وكانت شؤون نصف الكرة الأرضية تقريبا تدار من هذه المدينة ، وفي اسطنبول القديمة بشكل خاص يندر أن تمشي في شارع أو حارة أو زقاق ، دون أن يقابلك مسجد هائل وشديد الروعة في فن بنائه ، أو مدرسة تراثية بناها أحد القادة أو الأثرياء أو سيدات المجتمع قديما لنشر العلم وأوقفت عليها ما يكفي للصرف عليها ، أو سبيل هو تحفة فنية حقيقية أو سور لحصن قديم أو قلعة أثرية عظيمة .
منذ العام 1923 تغيرت وجهة تركيا من العالم الإسلامي إلى العالم الغربي ، بعد مجيء القائد العسكري مصطفى كمال "أتاتورك" ، والذي أطاح بآخر خلفاء العثمانيين وأعلن عن تأسيس جمهورية علمانية ، واتخذ حزمة من القرارات والقوانين التي هدفت لقطع صلة تركيا بالشرق ، مثل منع اللغة العربية ، حتى الأذان في المساجد منع رفعه باللغة العربية ، ومنع الحجاب والطربوش ، وفرض منظومة قيم جديدة تماما على المجتمع التركي ، إلى آخر ما سجلته كتب التاريخ وما أصبحت المعرفة به شائعة .

كان ميدان "تقسيم" وسط اسطنبول ، رمزا لهذا التحول الكبير في "هوية" تركيا ، تركيا الجديدة ، تركيا العلمانية ، تركيا الأوربية ، وتم إنشاء نصب تاريخي فيه يؤرخ لحقبة مصطفى كمال أصبح مقصدا للزائرين ، كما بسطت معالم "الحداثة الغربية" بصماتها على الميدان ، من خلال الحفلات التي تقام فيه والحانات المنتشرة وبيوت الليل في أزقته والملاهي الليلية والفنادق العالمية الشهيرة ، كما انطلقت منه فعاليات مثيرة للغاية ، مثل تدشين أول مؤتمر عالمي للشواذ جنسيا ، في مطلع السبعينات من القرن الماضي عقب الانقلاب العسكري الثاني ، حيث حرص "العسكر" على تقديم أنفسهم للراعي الأوربي بأنهم رعاة هذا التحول القيمي الضخم في تركيا ، كما كانت احتفالات "الانقلابيين" دائما ما تتم في ميدان "تقسيم" بعد نجاح أي انقلاب عسكري ، وأصبح العلمانيون في تركيا يعتبرونه قدس أقداسهم ، ورمز لتركيا العلمانية ، وكل الاحتجاجات والمظاهرات الضخمة التي قاموا بها ضد حكومة "اردوغان" المحافظة كانت في هذا الميدان .

قبل عقدين من الزمن ـ تقريبا ـ بدأت تركيا تشهد تحولات واضحة المعالم نحو استعادة هويتها "الإسلامية" تدريجيا ، بعد أن صعد حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب اردوغان إلى قيادة البلاد ، وانتشر الحجاب بين نساء تركيا على نطاق واسع ، بعد أن كان محظورا في الجامعات والمدارس والمؤسسات الرسمية كافة ، واستعادت المساجد رونقها وحيويتها وبدأت تمتليء بالمصلين ، ونشطت الجمعيات الأهلية المدنية التي تعمل على تعليم القرآن والسنة النبوية ، وبرزت مؤسسات إعلامية عديدة تنطلق من الروح المحافظة وتعبر عن تيار إسلامي جديد ، وأطلقت الحرية الكاملة للإسلاميين مثل غيرهم في إقامة نشاطاتهم الثقافية والعلمية والدينية في الإطار القانوني ، وهي مظاهر أزعجت الأحزاب والقوى العلمانية في تركيا ، وهي أحزاب قوية للغاية ـ حزب الشعب الجمهوري المعارض يمتلك قرابة خمسة ملايين عضو عامل ـ ودائما تسخر صحفها وإعلامها من هذا التحول ، وتحذر منه ، وتتهم اردوغان بأنه يقود انقلابا صامتا على مبادئ الجمهورية الكمالية ، وعلمانية تركيا التاريخية والدستورية ، وهو ما ينفيه اردوغان بذكاء ، ويؤكد احترامه للدستور وعلمانية الدولة .
 
 

إقرأ ايضا