الشبكة العربية

الأربعاء 12 أغسطس 2020م - 22 ذو الحجة 1441 هـ
الشبكة العربية

منشور " مثواه الجنة ".. ما علاقة الألباني به ؟

انتشر على صفحات التواصل منذ مدة منشور ،يحذر فيه كاتبه تحذيراً شديداً من عبارة تتردد كثيراً عند العزاء ، ألا وهي الدعاء للميت بأن يجعل الله الجنة مثواه ، وذلك لأن كلمة (مثوى ) بحسب ما يرى كاتب المنشور لم تأت في القرآن الكريم عند الحديث عن مستقر أهل الجنة ، وإنما جاءت في سياق الحديث عن الكافرين ؛ كما في قوله تعالى : ( ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) .[ آل عمران : 151]، وقوله : ( فبئس مثوى المتكبرين ) .[ الزمر : 72 ]، وقوله : ( أليس في جهنم مثوى للكافرين ) .[العنكبوت : 68 ]. إلى غير ذلك من الآيات.
والحقيقة أنَّ ما جاء بهذا المنشور غير صحيح ،كما سيأتي . وقد كان البعض سألني عنه فأجبت إجابة مختصرة بعدم صحة ذلك الكلام ، واكتفيت بذلك نظراً لما رأيته في إثارة مثل تلك القضية من التكلف ،وإعطاء الأمر أكثر مما يستحق .
لكن حملني على الحديث عنه اليوم أنه قد وصلني مقطع للشيخ خالد الجندي ،من برنامجه " لعلهم يفقهون "،يتحدث فيه هو ومن معه ،عن ذلك المنشور مستنكراً ما جاء به . وفي كلامه قدر كبير من التهكم والسخرية ،بل والتهريج ، الذي أراه غير لائق بمن نصَّب نفسه للفتوى والحديث في أمور الدين . وفي كلامه أيضاً -وهذا هو الأهم - أنه نسب إلى الشيخ الألباني رحمه الله شيئاً لم يقله . فقد ابتدأ  الشيخ  الجندي كلامه بأن ذكر أنَّه قرأ على الفيس بوك منشوراً موقعاً من سيدة ، كنَّت نفسها بأم أحمد ، وأنها تحذر من مقولة : ( وجعل الله الجنة مثواه ) . وقرأ شيئاً مما جاء في هذا المنشور ، إلى أن قال باللهجة العامية : ( وفي الآخر راحت خاتماها ستي أم أحمد بكلام الألباني ،أن هذه الكلمة كفر ) . ثم قال متهكماً : ( ده تفسير مين ده ، ده تفسير أم أحمد ... ) إلخ كلامه هداه الله .
والحقيقة أن المنشور المشار إليه يوجد في آخره بالفعل فتوى للشيخ الألباني رحمه الله ، لكنها ليست خاصة بموضوع : " وجعل الجنة مثواه " ،وإنما هي خاصة بمقولة أخرى يرى الشيخ أننا لو أخذناها على ظاهرها فإنها تكون كفراً ، ألا وهي قول البعض عن القبر إنه " المثوى الأخير " . وقد ذكر الشيخ حجته في ذلك ، وقوله رحمه الله لا يخلو من الوجاهة ، وإن كنا قد نخالفه في بعض ما ذهب إليه كما سأذكر في آخر كلمتي هذه بمشيئة الله  .
أنا أعلم أن كاتب المنشور -أو كاتبته لا أدري - قد خلط بين الأمرين ، فذكر أولاً رأيه في عدم جواز الدعاء للميت بأن يجعل الله الجنة مثواه ، مستشهدا بالآيات التي أشرنا إليها ، ثم ختم منشوره بفتوى الألباني في موضوع آخر غير الموضوع الذي بدأ به كلامه . ومثل هذا المسلك قد يحدث لبساً عند القارئ العادي فنعذره إن أخطأ في الفهم . أما من نصَّب نفسه للحديث في الأمور الشرعية فإنَّ عليه أن يتثبت مما يقرأ ،وأن يتأنى في الحكم على الناس ،حتى لا يوقع نفسه في تقويل أناس ما لم يقولوه ، ويتهمهم بما هم منه برآء ، كما فعل خالد الجندي هو وزملاؤه في البرنامج المشار إليه .
وعلى كل حال فإني سأحصر كلامي في نقاط ثلاث : أولاها في بيان عدم صحة ما جاء بالمنشور المشار إليه ، والثانية في تحرير فتوى الشيخ الألباني في قولهم " مثواه الأخير" ، ثم أختم بما أراه من تعقيب على فتوى الشيخ الألباني رحمه الله :
أولاً : إن الصحيح كما أشرنا أنه لا بأس بالدعاء لشخض بأن يجعل الله الجنة مثواه ، وذلك لأنه رغم أن الاستعمال القرآني جاء بكلمة " مثوى " في الحديث عن مستقر الكافرين ، إلا أن المعروف في اللغة أن المثوى مصدر ميمي بمعنى الثَّواء أي الإقامة ، أو اسم مكان بمعنى مكان الإقامة ، وفي المعجم الوسيط : ( ثوى ، يثوِي، ثواءً، وثُوِيٍّا بالمكان : يعني أقام فيه واستقر ) . وعلى ذلك فإن المثوى قد يكون حسناً ،وقد يكون سيئاً . وما دام لم يرد في القرآن والسنة نهي صريح عن مثل هذا الاستعمال فإنه لا يجوز إطلاق الحكم بتحريمه.
على أن المدقق في آيات القرآن الكريم سيجد أنه قد جاء فيها ما يمكن الاسشتهاد به على أن المثوى يمكن أن يكون حسناً ، وأنه يمكن أن يطلق عند الحديث عن مستقر أهل الجنة :
فمن ذلك قوله تعالى : ( وقال الذي اشتراه من مصر لامرته أكرمي مثواه) .[ يوسف : 21]، وكذا قول يوسف عليه السلام ( معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي) .[يوسف 23 ]. فقد ذكر المثوى هنا في سياق الإحسان والإكرام .
ومنه: قولُه تعالى : ( وما كنت ثاوياً في أهل مدين ) [ القصص : 45 ] أي: مقيماً.
ومن ذلك أن قوله تعالى : ( (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار ).[ العنكبوت : 58 ] ،قد قرأه بعضهم : ( لَنُثْوِيَنَّهُم ) ، وهي قراءة حمزة والكسائي ، كما أفادني أخونا المقرئ الشيخ على البهنساوي حفظه الله ، وهما قراءتان سبعيتان متواتران بلا خلاف . وهي أيضاً قراءة خلف العاشر ، لكن لما كانت قراءة خلف مما اختلف في تواتره ،فنحن نكتفي بالاستدلال بقراءتي حمزة والكسائي .وقوله : ( لنثوينهم ) هو كما قال الإمام القرطبي في تفسيره : (  من الثَّوي وهو الإقامة ،أي لنعطينهم غرفاً يثوون فيها ) .
ومن ذلك ما جاء في خطاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بقوله : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ).[ محمد: 19]  وقد جاء في تفسير ابن كثير في معنى قوله : ( والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) عن ابن عباس : ( متقلبكم في الدنيا ، ومثواكم في الآخرة ). إلى غير ذلك من النصوص ، وهي في مجموعها تعطي ما انتهينا إليه من الحكم بعدم صحة ما جاء في ذلك المنشور ،والله أعلم .
ثانياً : وأما بخصوص فتوى الشيخ الألباني رحمه الله فهي كما ذكرنا خاصة بمن يقولون عن القبر إنه المثوى الأخير ، وهذا هو نصها كما في السلسلة الصحيحة المجلد السادس هامش ص: 416 ( وأما قولهم في الإذاعات وغيرها : "مثواه الأخير " فكفر لفظي على الأقل . وأنا أتعجب كل التعجب من استعمال المذيعين المسلمين لهذه الكلمة ،فإنهم يعلمون أن القبر ليس هو المثوى الأخير ،بل هو برزخ بين الدنيا والأخرة . فهناك البعث والنشور ،ثم الى المثوى الأخير كما قال تعالى : ( فريق في الجنة وفريق في السعير ) وقال في الأخير ( فالنار مثوى لهم ) وما ألقى هذه الكلمة بين الناس إلا كافر ملحد ، ثم تقلدت من المسلمين في غفلة شديدة غريبة ، فهل من مدكر ) .انتهى كلام الألباني ، وهو كما ترى لا علاقة له بمقولة : "مثواه الجنة " ، وإنما هو ينكر على من يطلق على القبر أنه المثوى الأخير ، وذلك لأن ظاهر هذا القول : أنه لا شيء بعد القبر لا بعث ولا نشور ،ولا جنة ولا نار ، وهذا قول باطل ، بل من يعتقده يكفر ، لأنه يكون بذلك مكِّذباً للنصوص المتواترة الدالة على ذلك في الكتاب والسنة ، ولذلك قال الشيخ الألباني إنه كفر لفظي ، يعني أننا لو أخذنا بظاهر هذا اللفظ فهو كفر ، ولكنه هو -أي االألباني- لا يتسرع في تكفير كل من قال هذه الكلمة ،بدليل أنه سمى من يقولونها " المذيعين المسلمين" ، فالتكفير عنده له شروطه وضوابطه،  كما هو معلوم لكل من له إلمام بمنهجه رحمه الله .
وهذا الذي قاله الشيخ الألباني أفتى به الشيخ ابن عثيمين أيضاً ، حيث قال رحمه الله : ( قول القائل: "دفن في مثواه الأخير" حرام، ولا يجوز ؛لأنك إذا قلت :في مثواه الأخير ،فمقتضاه أن القبر آخر شيء له، وهذا يتضمن إنكار البعث ،ومن المعلوم لعامة المسلمين أن القبر ليس آخر شيء، إلا عند الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، فالقبر آخر شيء عندهم، أما المسلم فليس آخر شيء عنده القبر... لهذا يجب تجنب هذه العبارة ،فلا يقال عن القبر إنه المثوى الأخير، لأن المثوى الأخير إما الجنة ،وإما النار في يوم القيامة ) . [ فتاوى أركان الإسلام ص: 201] .
ثالثاً : وأخيراً ، فهذا هو مسلك هذين العالمين الجليلين ، في النظر إلى تلك المقولة ، وهو بلا شك مسلك جدير بالنظر والاعتبار . ولكن الأمانة العلمية تقتضي أن نشير إلى مسلك آخر له وجاهته واعتباره أيضاً . وأعني به مسلك الشيخ ابن باز رحمه الله ،فإنه لما سئل عن حكم قولهم في التعزية : انتقل إلى مثواه الأخير أجاب : ( لا أعلم في هذا بأسا ؛ لأنه مثواه الأخير بالنسبة للدنيا ، وهي كلمة عامية ؛ أما المثوى الأخير الحقيقي فهو الجنة للمتقين ،والنار للكافرين ) . [ مجموع فتاوى ومقالات متنوعة : 13/ 408] . وعلى هذا فالذي أقول به والله أعلم أنه ينبغي الابتعاد عن مثل هذه الألفاظ المشكلة التي يوهم ظاهرها إنكار ما بعد الموت من البعث والنشور والجنة والنار . لكنْ منْ قالها ، وهو لا يقصد بها إلا ما ذكره الشيخ ابن باز من أن القبر هو نهاية الأمر بالنسبة لهذه الحياة الدنيا ، ولا يدور بخاطره إنكار شيء مما بعد الموت ،فأرى أن الأمر بالنسبة له سهل ، وأنه لا يستحق هذا الإنكار الشديد الذي لمسناه في كلام الشيخين الألباني وابن عثيمين . هذا والله تعالى أعلى وأعلم .

 

عضو رابطة علماء المسلمين

 

إقرأ ايضا