الشبكة العربية

الأربعاء 01 أبريل 2020م - 08 شعبان 1441 هـ
الشبكة العربية

منظور جديد في مكافحة السرطان

لو يعلم الإنسان كيف هو محاط بالعوامل والمخاطر العديدة التي تسبب السرطان أي المسرطنات لسجد لبارئه شاكراً نعمة وقايته من مرض السرطان، في المقابل لو أن السرطان كان من السهل حدوثه لفعلتها كل خلية بالجسم وتمردت علي نمط حياتها العادي ومن ثم أصبحت مارقة، بمعني أن تحول خلايا الجسم إلي خلايا سرطانية أمر من الصعوبة حدوثه دون أن تتوفر العديد من الشروط والعوامل المعقدة والمتداخلة، بما يجعل من يعرفها يتعجب ويرثي لحال من يصاب بهذا المرض العضال علي سوء حظه بتجميع عوامل هيأت وتوافرت معاً كي تتحول بعض الخلايا العادية عنده لسرطانية.

في بداية الإصابة بالسرطان، يظل من غير الواضح السبب أو السر في أنه أي السرطان يبدو بطيئاً ولا يمكنه أن يستحوذ علي الآليات والإشارات التي يمتلكها ويستخدمها في الجسم في نموه، لكن الممرضات الأخري عليها عند دخولها الجسم أن تطورمن نفسها كي تعرف لغز وفك شفرات الجسم،ومن ثم تأخذ بعض الوقت والطاقة الكبيرة، لكن مأساة السرطان في أنه يعرف جيداً شفرة إشارات الجسم لأن الخلايا السرطانية هي خلايا من الجسم نفسه لكنها حدث لها تغير في آلية إنقسامها والتي أصبحت خارج سيطرة الجسم، ولأن اللص الذي يريد أن يسرقك لابد أولاً من أن يعرف كيف يفتح القفل الذي تغلق به منزلك، ومن ثم فإذا عرف كلمة السر للفتح ، كان من السهل أن يستخدم إشارات وكيمياء الجسم مستلباً إياها.

خاصية إمتلاك الخلايا السرطانية لمفاتيح شفرات الجسم  فضلاً عن معرفة كل شيء عنه وكذلك إمتلاكه كل الادوات والمفاتيح التي يمتلكها الجسم، لذلك فكر فريق من العلماء في جامعة أوسنابروك Osnabruck ومعهد Santa Fe Institute في إيجاد آلية لمكافحة السرطان عن طريق تعقيد وزيادة صعوبة عملية صنع الخلية لمفاتيحها وشفراتها بما يجعلها تبدو كما لو أنها عالية التكلفة وباهظة الثمن علي من يفكر في إستخدامها من الغزاة و خاصة السرطان، ونجح فريق البحث هذا في تطوير نموذج مصغر يحاكي الآلية التي تعمل بها الخلايا السرطانية كي تنمو وتنتشر، ومن ثم التفكير في مقاومة السرطان بمفردات التطور، نشرت نتائج تلك الدراسة في مجلة "تقارير علمية Scientific Reports الثالث من فبراير 2020.

قام فريق البحث بعمل نموذج متطور يعكس عاملان مهمان في إعادة هندسة خلايا الجسم، والتي بإمكانها أن تعيق نمو السرطان، العامل الأول هو الطاقة والغذاء التي يحتاجهما السرطان لتخليق أو تصنيع ما يسمي بعوامل النمو growth factors وهي المفاتيح التي أشرنا إليها من قبل، والعامل الثاني هو مدي الإستفادة والتي ستحصل عليها الخلايا المجاورة من خلايا السرطان. أكد الباحثون علي أهمية الدور التنافسي بين الخلية التي حدث فيها طفرة وتحولت لسرطانية والخلايا المجاورة لها، وذلك من خلال تعرض تلك الخلية لضغط التكلفة العالية التي عليها أن تدفعها مقابل تصنيعها لعوامل النمو المطلوبة كي تنقسم تكرارا دون توقف أي تنمو لسرطان وتنتشر.

كشفت التصور الجديد لمحاربة السرطان هذا عن أنه عند نمو الخلية المتطفرة (السرطانية) تصدر إشارة نمو تعمل علي إمداد المصادر والمقومات التي تساعد في نمو الخلايا المجاورة الغير متطفرة أي السليمة، من ثم وعندما تتوزع الفوائد والمقومات  (الطاقة والغذاء) حول الخلية صاحبة الإشارة، فتكون النتيجة تعرض الخلايا المتطفرة سوف تعاني صعوبات شديدة من خلال تنافسها وجيرانها من الخلايا، من ثم تصبح غير مستقرة ولا تستطيع تأسيس نفسها، ويفقد السرطان قدرته علي إمتلاك الإشارات التي تساعده علي الإنتشار، وبذلك يحدث تحجيم له.

  هذه الرؤية المبتكرة في مكافحة السرطان والتي لجأ فيها فريق البحث لمقايضة بين التكلفة والعائد وكشفت عن أن الكيفية التي تتطور بها أنظمة الدفاع ضد الغشاشين cheaters –خلايا السرطان-وخاصة عندما تصبح الإشارات العدائية الضارة مكلفة في إنتاجها بأكثر من العائد منها، وهو مماثل لما يحدث في حالة تزاوج  طائرالطاووس، فعندما يكون ذكرالطاووس مريض أو غير سليم جسدياً، فإنه سوف يفتقد مصادر الطاقة اللازمة كي يستعرض ريش ذيله الضروري لإختياره من قبل الإنثي للتزاوج (حيث تختار الأنثي الذكر الأزهي ريشاً أي الذكر السليم) ومن ثم لن يتزاوج الذكر العليل، ويمثل التزاوج بالنسبة للذكر إشارة علي قوته المتطورة، وبتطبيق نظرية الإعاقة handicap theory فإن خلية السرطان سوف تماثل ذكر الطاووس المريض، والتي لا تستطيع تحمل التلويح بإشارة كي تلفت الإنتباه لها كي تنمو مكونة أوراماً سرطانية أوتنتشر لخلايا أخري سليمة مجاورة، أو حتي عندما يتكون ورم سرطاني ويصل للحجم الحرج، سوف يخضع السرطان لديناميكيات أخري، حيث تتدخل في الأثناء آليات مقاومة للسرطان أخري عديدة، منها جهاز المناعة في الجسم، أو الموت المبرمج للخلايا، وكذلك عوامل تعيق وتحد من تكون خلايا سرطان جديدة، نظراً لضيق الحيز الموجود فيه الورم السرطاني، إضافة إلي نفاذ الغذاء الضروري للإستمرار في نمو السرطان، من ثم يتوقف السرطان عن النمو والإنتشار.

هل يكتسب السرطان خصائص جديدة بمعني يزداد ذكاءاً ويراكم خبرات لصالحه؟ الإجابة لا، وهذا من لطف الله تعالي بخلقه، لأنه بالرغم من أن الخلايا السرطانية سواء المتعاونة أو المتنافسة تكتسب بإستمرار مهارات وخصائص جديدة لزيادة نماءها، فتعمل بإستمرار علي تحسين وتطوير قدرتها علي تحفيز تولد أوعية دموية، كذلك لمقاومة الموت الخلوي المبرمج، فضلاً عن مكافحة أسلحة الجهاز المناعي بالجسم، وغيرها من وسائل مقاومة الجسم الأخري ضد السرطان، إضافة لما يتحايل به السرطان علي العقاقير أوعلاجات السرطان الأخري والتي تستخدم من الخارج مثل العلاج الإشعاعي.

بالرغم مما يطرأ علي السرطان من تطور وتحسين حتي لو بطيء في قدرته علي التحكم في الجسم، ولأن السرطان في أغلب الحالات غير معدي وكذلك لمحدودية ما يكتسبه من خصائص قد تراكمت فيه، فإنه سوف يموت في النهاية، إما بموت خلايا السرطان نفسها، أو بموت مريض السرطان، مما يترتب عليه أنه في الحالتين سوف يتوقف مسار التطور في السرطان، ومن ثم فإنه علي السرطان الجديد أن يبدأ من جديد أي من نقطة الصفر والتي بدأ منها السرطان الأول وهذا من فضل الله علي الكائنات التي تصاب بالسرطان وبالأخص الإنسان. قال تعالى مبيناً في آيات عديدة علي أنه لطيف بعباده مثل: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النور:20]، وقوله عزَّ وجلَّ: {..رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ]الحشر:10[.
كلية العلوم جامعة الفيوم
 

إقرأ ايضا