الشبكة العربية

السبت 21 سبتمبر 2019م - 22 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

من لا يحب اسطنبول ؟! (1/2)


إذا نحيت السياسة وهمومها وتجاذباتها جانبا ، وخلافات الحكومات والجماعات ، وتمكنت من الإفلات من أسر الصراعات الإقليمية المتصلة بها وأنت تتحدث عن "اسطنبول" ، فستكون أمام اعتراف لا تردد فيه ، أنك أمام مدينة استثنائية ، لا شبيه لها ولا مثيل ، واحدة من أجمل مدن الدنيا ، إن لم تكن أجملها على الإطلاق ، وهناك مقولة شائعة تنسب إلى القائد الفرنسي الشهير "نابليون بونابارت" تقول : إذا كان للعالم عاصمة فستكون اسطنبول ! .
سحر اسطنبول الأساس يأتي من عراقة التاريخ فيها ، فهذه المدينة كانت عاصمة امبراطورية ضخمة تحكم نصف العالم المأهول تقريبا ، في ثلاث قارات ، وكان جيشها يعسكر عند أسوار فيينا ، وعلى أبواب روما ، وتحكم بلاد المجر والتشيك واليوغسلاف واليونان وغيرها من الدول الأوربية الكبرى والعريقة وتعين الولاة فيها أو تعزلهم بقرار سلطاني ، كانت "اسطنبول" هي قبلة هذا العالم كله ، ومنتهى إبداعه وسطوته وعراقته .
الفنان الذي يريد أن تكون له بصمة يخلدها التاريخ كان يأتي إلى تلك المدينة ليضيف إليها من فنه ، والمهندس والمعماري الذي يريد أن يخلد عبقريته كان يأتي إليها لكي يسجل في تاريخها تاريخه ، وبحكم التنوع الشديد في ولايات الامبراطورية العثمانية ، فقد كانت اسطنبول مدينة "كوزموبوليتان" بالتعبير الحديث ، فيها فسيفساء إنسانية عجيبة ، تتعايش بسلام وأمان وتكامل إنساني بديع ، المصري والتونسي والعراقي مع القوقازي مع الآريين مع الأرناؤوط "سكان ألبانيا" مع البوشناق "سكان البوسنة والهرسك" مع الألمان مع الشركس ، وكانت المدينة تتسع لطاقات الجميع وتتيح لهم الارتقاء بلا سقف ، فقد كان يمكنك أن تجد شيخ الإسلام فيها شاميا ، وقد تجد رئيس الوزراء فيها تونسيا ، وقد تجد كبير مهندسيها مصريا ، وقد تجد قائد جيوشها شركسيا ، وهكذا .
كل هذا المزيج الإنساني البديع ترك بصمته في "اسطنبول" ، وفي كل شارع وكل حارة يمكنك أن تجد آثار هذا التاريخ حية أمامك ونجح الأتراك في الحفاظ على كل تفاصيلها ، ولم تمتد أي يد إليها بأي تغيير ولا حتى تحسين ، فقط النظافة للمكان والحماية من عوامل التعرية وتعزيز البنية الأساسية الحامية لخدمات المنطقة ، فضلا عن تعزيز كل ما يتصل بجودة الحياة وجمالها في تلك المناطق ، بحيث تشعر أنك أمام عبق التاريخ وروعة التنظيم والحس الجمالي والحضاري الجديد ، يجتمعان في مكان واحد .
اسطنبول كانت تعرف بلقب "مدينة المساجد" فلن تر مدينة في الدنيا كلها بها هذا العدد من المساجد مثلما تجده في تلك المدينة ، والمساجد هنا عبارة عن سباق فني رائع وبديع ، لا يمكن أن تجد المسجد زاوية أسفل عمارة مثلا ، كما لا يمكن أن تجد مسجدا في مكان واطئ ، أو سيء جغرافيا ، المساجد في تلك المدينة كانت ـ وما زالت ـ تبنى في أفضل بقاع المدينة قاطبة ، وأرقاها وأعلاها وأجملها ، لأنها بيوت الله ، فينبغي أن تكون أعلى وأجل وأشرف من كل بيوت المدينة ، وللأتراك ولع كبير بنظافة المساجد ، والمساجد بطبيعة الحال تتنوع زمنيا حسب الأجيال ، والمساجد التي تم إنشاؤها حديثا تتميز بالضخامة والنمط المعماري الحديث مع الحفاظ على لمسة من عراقة التاريخ والنمط المعماري الفني القديم .
درج سلاطين العثمانيين قديما على أن يتزلفوا إلى الله ببناء مسجد يكون ميراثا من الحسنات لهم بعد وفاتهم ، والسلطان محمد الفاتح عندما أكرمه الله بفتح المدينة كان أول شيء فعله هو بناء مسجده في القسم الأوربي من المدينة وهو الذي يعرف باسمه الآن "مسجد الفاتح" وفيه قبره الذي يزوره الأتراك في المناسبات ليقرأوا له الفاتحة ويدعون له بالخير ، لأنه الرجل التاريخي الذي جعل "القسطنطينية" ـ عاصمة المسيحية الأرثوذكسية في العالم كله ـ هي مدينة الإسلام "إسلامبول" والتي تغيرت إلى "اسطنبول" لاحقا ، وما زال سور القسطنينية القديم الذي كان يحصن البيزنطيين به المدينة قائما في أنحاء واسعة ، بهيئته يوم أنشئ قبل آلاف السنين ، وبعض الأجزاء القليلة منه يتم ترميمها بأضيق نطاق .
وفي المدينة مسجد السليمانية المذهل ، ومسجد السلطان أحمد "المسجد الأزرق" وهو آية معمارية يحج إليها ـ حتى اليوم ـ كبار المهتمين بالعمارة والهندسة من أنحاء العالم لدراستها ، وفيها مسجد السلطان أيوب ، وهو مسجد الصحابي الجليل "أبو أيوب الأنصاري" الذي مات غازيا على أبواب القسطنطينية قبل فتحها بقرون ، وعادة ما تكون تلك المساجد على ربوة عالية مميزة تطل على المدينة من عل .
إلى جانب تلك المساجد تجد المنشآت التاريخية الثرية والفخمة ، والتي حولتها الدولة التركية إلى مؤسسات تعليمية ، فتختار بعضها لتكون جامعات حكومية كبيرة ، بحيث يعيش طلاب الجامعة في هيبة المكان وعظمته وعبق التاريخ فيه ، وبعضها مستشفيات وبعضها مراكز ثقافية ، وهكذا ، كما تعج المدينة بالأسبلة والمدارس القديمة وأبنية وقفية لها استقلاليتها التامة حتى الآن عن أي سلطة سياسية ، لأنها ليست ملكا للدولة ولا لأي حكومة ، وإنما ملك لصاحبها ثم ملك لله ، والأوقاف في تاريخ تركيا الحديث كان لها دور كبير في تعزيز المجتمع الأهلي وقوة الحركة المدنية في البلاد رغم قسوة النظم العسكرية التي مرت على البلاد .
وفي اسطنبول ـ بطبيعة الحال ـ الأثر الإنساني والديني الفذ "آيا صوفيا" وكان مقر المسيحية الأرثوذكسية العالمي ، مثل الفاتيكان للكاثوليك ، وهو يقع بمواجهة مسجد السلطان أحمد ، وحتى الآن يحج إليه سنويا ملايين المسيحيين من أنحاء العالم لزيارته ، ويمكنك أن تشاهد طوابير طويلة كل يوم تنتظر الدخول إليه ، وهناك ضغوط شعبية متوالية من المتدينين في تركيا لرفع الآذان فيه باعتباره تحول إلى مسجد ، لكنها مسألة شديدة الحساسية للمجتمع الدولي وأوربا بشكل أساس .
إذا ارتويت من التاريخ ، فستكون أمام مدينة حباها الله بطبيعة خلابة رائعة ، خاصة وأن البحار تحيط بها من معظم جوانبها وسواحلها يمكن أن تمتد لعشرات الكيلومترات وتحرص الحكومة على أن تكون تلك السواحل حق عام للمواطن التركي العادي ، يستمتع بالبحر والهواء والممشى الطويل ونادرا ما يكون هناك مبنى على الماء مباشرة بما يحجب حركة المشاة ، والمدينة على قسمين كبيرين ، القسم الآسيوي والقسم الأوربي ، ويفصل بينهما مضيق البسفور ، القسم الآسيوي يمتاز بالمساحات الخضراء الضخمة والغابات الكثيفة الأشجار ، بينما يمتاز الجزء الأوربي باحتوائه على أغلب الآثار التاريخية للمدينة ومزاراتها السياحية ومساجدها العريقة ، وتحرص الحكومة التركية على الحفاظ على المساحات الخضراء التي تمثل رئة المدينة الكبيرة ، فهناك غابة شجرية كبيرة في كل حي من أحياء المدينة تقريبا ، تشغل مئات الأفدنة ، إضافة إلى النوادي الرياضية ، وهي مجانا لكل فئات المجتمع ، ولا يوجد هنا مسألة العضويات المغلقة لأعضاء نادي بمبالغ كبيرة ، فكل مواطن تركي يمكنه أن يدخل أي نادي ، هذا بالإضافة إلى المنشآت الرياضية المفتوحة في الفضاء في كل منطقة صغيرة داخل الحي ، تتمثل في تراك للمشي تحفه مساحات خضراء وأشجار وزهور وبداخلها تجهيزات "جيم" مخصصة للهواء الطلق لمن أراد أن يمارس "حمية" بدنية وليس المشي فقط ، وأي شخص يمر في الطريق يمكنه أن يستخدم تلك الأدوات ثم يكمل طريقه .
حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا والذي يرأسه اردوغان ، حقق انتشاره السياسي أساسا من بوابة الاقتصاد والخدمات والبنية التحتية ، وليس من بوابة الأيديولوجيا ، ولا يوجد أحد مر على اسطنبول أكثر من مرة خلال العشرين عاما الأخيرة إلا ولاحظ بوضوح الطفرة الهائلة في صورة المدينة ، ليس فقط في شبكة الطرق والأنفاق وتحديث المواصلات العامة وتطوير البنية الأساسية بشكل ثوري ، وإنما أيضا في الحرص على اللمسات الجمالية والحضارية في المدينة ، واتساع مساحات الخضرة والأشجار على جانبي الطرق وجعلها لوحات فنية حقيقية برسوم من خلال النجيلة الخضراء أو الشجر ، فأنت في "اسطنبول" أمام مدينة أوربية بكل مقومات الحداثة والجمال ، والحقيقة أن الطفرة الحداثية والحضارية والتنموية حدثت بعد أن تولت حكومة مدنية منتخبة من الشعب وصاحبة قرار وسلطة حقيقية مقاليد الأمور ، وتراجع دور المؤسسة العسكرية ، فقد عانى الأتراك طويلا من ثلاثة انقلابات عسكرية ، كلها كانت تأتي بوعود الجنرال الكبير للشعب بالإنقاذ والشفافية والنهوض والرخاء وانتهت جميعها بالبلاد إلى خراب في كل مرة .
 

إقرأ ايضا