الشبكة العربية

الأربعاء 23 أكتوبر 2019م - 24 صفر 1441 هـ
الشبكة العربية

من وحي مظاهرات فرنسا

(تكلم معي بأدب فأنا مواطن أعطاك صوته).. متظاهر فرنسي لماكرون رئيس فرنسا!؟
(سيدي الرئيس لقد قمت بواجبي في حماية البلاد..لكنني متضرر مثلهم من إرتفاع الأسعار. ..فكيف أقمع من يدافعون عن حقي) شرطي فرنسي لرئيس فرنسا..ثم رئيس فرنسا يتراجع عن قراراته برفع أسعار الوقود ورفع الضرائب ويلغي الزيادات.
المشهدين السابقين .. والنتيجة النهائية تشكل خلاصة قصة مظاهرات فرنسا. والتي بدأت برفع أسعار الوقود وزيادات في بعض أنواع الضرائب...تلقف الخبر مجموعة من المتقاعدين وأصحاب المعاشات ذوي الدخول الثابتة.. لم ينتظروا حتى يعانوا ويتظلموا ويقاسوا.. قامت إحداهن بطرح فكرة ارتداء ستره صفراء والخروج للتظاهر في الشوارع.. لقت الفكرة القبول من المتضررين وزادت الأعداد بكثرة وظهروا في الشوارع الرئيسية والميادين المهمة مثل الشانزليزيه والكونكورد... لم تكن لهم قيادة ظاهرة أو أحزاب بارزة.. أو متسلقين يريدون الشهرة أو السلطة أو ركوب الموجة.. بل عندما طلب رئيس الوزراء مجموعة تتفاوض معه لم يجد سوي 8 أفراد إنسحب منهم 6عندما علموا أن اللقاء غير مذاع علي الهواء تليفزيونيا.. وانسحب واحد عند بداية اللقاء.. وتفاوض معه واحد وقال له إنهم لن يستطيعوا الحياة كما كانوا يحيون من قبل وستقل قوتهم الشرائية.. وهم رواتبهم ثابتة وهذا لا يليق.. إستمع له رئيس الوزراء.. وطلب جولة أخري للتفاوض .. لم يقبل أحد.
نزل ماكرون بنفسه للتفاهم معهم.. سمع ما يوجعه.. ولم يتهمهم بالإرهاب.. ولا بتلقي تعليمات خارجية... ولا بإندساس أعداء فرنسا بالرغم من قيام بعض أعمال العنف والنهب والحرق.. لكنه كان يعرف أن هذا أمر طبيعي في ظل التجمعات لكنه لم يستغلها كذريعة لتشويه القصد من التظاهرات وهذا يفعله السياسيون المحترفون بالرغم من صغر سنه..  تفهم الأمر وعلم المقصد.. وألغي القرارات لكن الفرنسيين لم يقبلوا بكسرة الخبز ويأبون إلا أن يحصلوا علي الرغيف كاملا.. فدعت نقابات أخري وتجمعات طلابية لمظاهرات جديدة تطالب بحقوق لهم يحسون بظلمهم فيها...وهكذا تكبر كرة الثلج.. في عرس ديمقراطي يعطي للشعب حقه في التعبير.. وتعرف السلطة واجبها في الاستماع والتقييم والإستجابة لصوت العقل .. وليس العناد والغطرسة كما يحدث في عالمنا العربي.. من استخدام القوة المفرطة... والضرب بالرصاص الحي والاعتقالات التعسفية والنصائح الشيطانية بعدم الإستجابة لمطالب المتظاهرين حتى وإن كانت بسيطة وعادله لئلا يتمادوا ويرتفع سقف مطالبهم حتى لو أدي ذلك لقتل الآلاف وتشريد الملايين وما سوريا واليمن وليبيا ومصر منا ببعيد.
المهم عودة إلي فرنسا لنسجل الملاحظات الٱتيه:
- أن التظاهر حق في الدول الحرة وليس جريمة أو تهمة أو عورة بدليل أن البوليس الفرنسي كان يطلع علي هويات المتظاهرين ويفتشهم قبل الدخول للشانزليزيه ثم يسمح لهم بالدخول.
- أن التظاهر ضد الدولة وضد قرارات الرئيس ليس خيانة للوطن ولا رغبة في تدميره ولا عماله للخارج .
- أن حق للمتظاهر أن يرفع سقف مطالبه مهما ارتفعت وعلي السلطة الإستماع لذلك
- أن واجب الشرطة حماية المتظاهرين وعدم الاعتداء عليهم طالما إلتزموا بحرية التعبير دون تخريب أو تدمير للمنشٱت ومن يتجاوز يتم القبض عليه وتقديمه لمحاكمة عادلة...وهذا عدل
ـ أن المتظاهرين ليس لهم قيادة ظاهرة لكن أهدافهم واضحة
- المتظاهرون واعون جدا لألاعيب الساسة لذا مستمرون في إضرابهم..المتظاهرون يعرفون حقوقهم جيدا ويعلمون أن البرلمان لن يحقق أهدافهم فلجأوا للشارع 
ـ عندما لا يحقق الرئيس المنتخب أهداف وٱمال الناس فلا جريمة في التظاهر ضده وليس قانونا أن ينتظر الناس حتى يكمل مدته ثم يعترضوا عبر صناديق الانتخاب
- الرئيس المنتخب لم يعترض علي خروج للناس ويتهمهم بمحاربة الشرعية الإلهية عبر صندوق الانتخاب بل نزل إليهم وتفاهم معهم وتنازل وألغي قراراته
- الرئيس المنتخب لم يتهم المتظاهرين بالعمالة أو الخيانة أو التمويل الأجنبي أو الإرهاب أو أنهم يريدون فرنسا مثل سوريا والعراق
- الرئيس المنتخب لم يمن علي الناس انه جعل لهم جيشا يحميهم ويطعمهم ويسقيهم فلا بد أن يقبلوا أي قرارات خطأ أو صواب يتخذها سيادته ولو تسببت في إفقار الناس وتنغيص حياتهم
- أن حزب الكنبة وهم أصحاب المعاشات والمتقاعدين المتضرر الرئيسي من زيادة الضرائب والبنزين تحركوا للدفاع عن حقهم في حياة كريمة
ـ أن الحقوق تنتزع ولا توهب وليست منه ولا هبة ولا عطية من حاكم
- أن الحاكم في خدمة الشعب وليس إلها ولا نصف إله ولا ملهما بل إنسان يخطئ ويصيب حتى ولو كان معه مستشارين ومساعدين.. والتراجع عن قرارات خطأ تضر الناس لا يشكل أي نوع من الانتقاص أو المهانة للحاكم بل هي قمة الرفعة والإحساس بالمسؤولية الملقاة علي عاتقه وهي أساس العقد المبرم بينه وبين ناخبيه وهي تحقيق مصالحهم وتسهيل حياتهم وليس قمعهم والتضييق عليهم...!
- أن هناك بونا شاسعا ومسافات بعيدة بين فهم حكام العرب لمسؤوليات السلطة وواجبات الحكم والتوازن بينها وبين حقوق الشعوب في حرية التعبير والحياة الكريمة !

د. جمال المنشاوي
كاتب مصري

 

إقرأ ايضا