الشبكة العربية

الخميس 19 سبتمبر 2019م - 20 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

هل يلدغ الإسلاميون من الجحر نفسه عشر مرات ؟!


دخلت ثورة الشعب السوداني مرحلة الحسم التاريخي ، خاصة بعد أن ظهرت بوضوح كامل نوايا المجلس العسكري في الهيمنة على السلطة وانحيازه الصريح لمعسكر الثورة المضادة في المنطقة العربية ، حتى أن زيارة رئيس المجلس الوحيدة خارج البلاد كانت لمصر والإمارات ، وزيارة نائبه كانت للسعودية .
المجلس العسكري السوداني يشعر بالتوتر والضغط الذي تمثله الميادين واحتشاد الجماهير أمام مقره وإصرارها على أن يعود الجيش لثكناته ، وتسليم السلطة للقوى المدنية ، وأن تكون هناك فترة انتقالية تكون فيها لجنة مشتركة من العسكريين والمدنيين لإدارة شئون البلاد ، وفيها تفاصيل تكشف عن رفض العسكر حتى مجرد المشاركة للسلطة ، فقط يخططون للانفراد بها والاستبداد بها ، فهو طموحهم الوحيد .
الثورة الشعبية في السودان هي تحول تاريخي لإنهاء هيمنة المؤسسة العسكرية على الدولة والسلطة ، وهي المرحلة التي أدت لانتكاسات حضارية وتنموية وإنسانية وحقوقية فادحة في عموم المنطقة العربية ، وأصبح السودان الآن أمام فرصة تاريخية لإحداث التحول ، وهو ما يسبب رعبا لدول الثورات المضادة في المنطقة ، الذين سارعوا لمد يد العون للمجلس العسكري ومحاولة إنقاذه ودعمه بالخطط والأفكار والمال ومنظومة ضخمة من الإعلام بمختلف صوره ومنصاته .
الثورة السودانية من الواضح أنها استفادت من دروس مصر ، وأهمها أن الخروج من الميدان ، أو ترك الشارع ، تحت أي وعود أو ترتيبات بدون "مأسسة" القرار السياسي الأعلى ، يعني ذبح الثورة والتنكيل بأبنائها ، والفشل التام ، وبالتالي فهناك إصرار على أن يكون هناك مخرجات حاسمة للتفاوض القائم مع المجلس العسكري تحسم القرار الأعلى في إدارة شئون البلاد .
المجلس العسكري في "مزنق" خطير الآن ، والمخرج الوحيد له أن يحدث الانقسام في الشارع السوداني ، وتتنازع تياراته فيفشلون وتذهب ريحهم جميعا ، أو صرف أهداف الثورة عن محدداتها الرئيسية في الحكم المدني وإبعاد العسكر عن السلطة ، بحيث يتاح للمجتمع أن يدير حواره الوطني الشامل وبمشاركة جميع قواه المدنية ، بما يضمن أن يكون الشعب هو صاحب القرار ، والشعب هو سيد القرار ، والشعب هو مالك مستقبله .
هنا لجأ المجلس العسكري ، كما حدث في التجربة المصرية مع الأسف في ثورة يناير ، إلى اللعب على الانقسام ، ومحاولة توظيف التيار الإسلامي لضرب الحراك الثوري في الشارع ، وإحداث الانقسام ، عن طريق إظهار المجلس بأنه حريص على الشريعة الإسلامية ، وأنه يرفض المساس بها ، وأنه الأكثر غيرة على هوية البلاد الدينية ، ونحو ذلك من "أساطير" سبق تجربتها في ثورة يناير بمصر ، ونجحت مع الأسف في شق الصف الثوري ، الأمر الذي مهد لإنهاء كل شيء ، ووضع الجميع تحت البيادة ، إسلاميين وغير إسلاميين .
ولذلك توجب التحذير من أن بعض "العواطف" الدينية التي يتم تأجيجها الآن بذكاء سياسي كبير ، شديدة الخطورة على السودان ، وعلى ثورته ، وعلى مستقبله ، وعلى نهضته ، وعلى كرامة شعبه ، وعواقبها وخيمة للغاية ، وسيدفع ثمنها الجميع ، وسيكون الإسلاميون ـ كالمعتاد ـ الفصيل الذي يدفع الثمن الأكبر والأفدح ، وهم يتصورون أنهم سيكونون حلفاء "القوة" الجديدة المسيطرة ، دع عنك أن هذا يمثل خيانة لثورة الشعب وآمال الشعب في حياة كريمة ودولة مدنية حرة متحضرة تليق بعراقة هذا البلد وإمكانياته البشرية والمادية التي تم إهدارها عشرات السنين من خلال الاستبداد العسكري العقيم وضيق الأفق .
على عقلاء التيار الإسلامي في السودان ، وخارج السودان ، ألا يتسامحوا مع مثل تلك التحركات التي تهدف لشق صف الشارع ، ومد حبل الإنقاذ للمجلس العسكري ومن ورائه قوى الثورة المضادة في المنطقة العربية ، لا ينبغي أن يلدغ الإسلاميون من الجحر نفسه عشر مرات ، وعليهم أن يستوعبوا دروس ثلاثة أرباع القرن الماضية ، في تجارب فاشلة ومروعة وضعت ثقتها وأملها في الانقلابات العسكرية فعادت بالخراب والدمار على البلاد والتخلف الشامل ، فضلا عن انتكاسة مروعة في كرامة الإنسان في تلك البلاد وحقوقه السياسية والاجتماعية ، فضلا عن توظيف الدين لخدمة الاستبداد وإذلال رجاله وجعلهم مجرد خدم وجوقة فنية لوضع بصمات دينية على ممارسات الاستبداد والظلم فتشوه الدين وأهين .
لا أحد يمكنه أن يصادر حق تيار شعبي بحجم التيار الإسلامي في العمل على حماية حقوقه أو الدفاع عن مشروعه الاجتماعي والديني ، ولكن "العسكر" ليسوا هم طريق هذه الحماية ، بل هم طريق السحق والتدجين والإذلال للجميع ، وأولهم الإسلاميون لخشيتهم الدائمة من حضورهم الشعبي الواسع ، فعادة يبدأون بهم التنكيل والتحجيم والقمع ، وإنما طريق التيار الإسلامي هو الشراكة الاجتماعية مع المكونات الأخرى ، والتدافع السلمي في صراع سياسي مدني ، والعمل على بناء جسور الثقة مع تيارات الوطن الأخرى ، وتحجيم نزعات الغلو والعصبية عند كل الأطراف ، والبحث عن قواسم مشتركة ولو في حدودها الدنيا ، وصولا إلى مرحلة تأسيس حياة ديمقراطية سليمة وانتخابات حرة شفافة ، يعمل من خلالها الجميع على حماية حقوقهم ، أو ما يرونها حقوقهم .
أيها الإسلاميون السودانيون ، العسكر ليسوا طريقا لحماية الشريعة ، ولا حماية الإنسان ، ولا حماية حقوق أي طائفة أو تيار ، ولا حماية الأخلاق والفضيلة ، ويمموا وجوهكم فيما حولكم الآن وسابقا تدركون تلك الحقائق بسهولة ، فلا يؤتى السودان من قبلكم ، فيلحقكم عار التاريخ ، ثم لن يبكي عليكم أحد بعد ذلك وأنتم تداسون في قابل الأيام ببيادات العسكر التي لا ترحم .
 

إقرأ ايضا