الشبكة العربية

الأربعاء 17 يوليه 2019م - 14 ذو القعدة 1440 هـ
الشبكة العربية

هل يمكن أن نضع عواطفنا في جيوبنا؟

يقال إن الانسان الناجح هو من يستطيع أن يخضع عواطفه ومشاعره لعقله، بمعنى أن يتحول إلى آلة تعمل بدقة ولا توجد أي مشاعر يمكن ان تحوله عن مساره وأهدافه. 
وفي هذا فقد كنت فوضويا إلى حد ما وأنا تلميذ في المرحلة الثانوية، حيث كنت استذكر دروسي بالقدر الذي أحتاجه للنجاح فقط، ولم يكن التفوق همي فقد كنت أمارس هوايات متعددة مثل القراءة وكتابة القصص القصيرة وعزف الموسيقى ولعب الشطرنج والكرة. ولم أقتنع يوما بنصائح أمي وأخي الأكبر رحمة الله عليهما بأن أخصص المزيد من وقتي للتفوق الدراسي. وكانت فلسفتي العجيبة وقتها هي؛ لماذا أحرم نفسي من هواياتي الممتعة وماذا سأفعل بالتفوق في المدرسة طالما أنني أنجح! أليس هذا جهدا ضائعا؟

ولكن أخي نجح في تقديمي لأحد أقارب أصدقائه كان معروفا بالتفوق وكان في الصف الثالث الثانوي وكنت أنا في الصف الثاني. التقينا ووجدته مختلفا عن باقي أصدقائي الذين لا حصر لهم. لم يكن له أصدقاء تقريبا وكانت هواياته عدا المذاكرة محصورة في القراءة ولعب الشطرنج مرة واحدة في الأسبوع.

سألته مرة ماذا ستفعل بالتفوق؟ قال أمنيتي أن أصبح طبيبا وغنيا ولا سبيل الى هذا سوى العمل والتفوق. سألني وانت؟ قلت له أن أصبح دبلوماسيا كي أسافر الى العالم الخارجي الذي أراه في الأفلام الاجنبية، وأضفت بأنني لا أعتقد أن أنجح في تحقيق أمنيتي هذه لأنني طالب متوسط المستوى ولي هوايات كثيرة، ولذلك فربما أصبح موسيقيا جيدا وهذا أفضل من أن أطمح في شيء أكبر من قدراتي.  وذكرته بمثل فرنسي تعلمناه في حصص اللغة الفرنسية يقول ما معناه " إنه من الافضل أن تكون الاول في القرية عن أن تكون الاخير في المدينة" وسألته: أنا لا أدري كيف يمكنك العيش بدون أصدقاء وهوايات؟ فرد بإن معظم زملائه وجيرانه يرغبون في صداقته وكثيرا ما تراوده إغراءات الخروج معهم ولعب الكرة وتعلم الموسيقى في المدرسة، وأضاف رحمة الله عليه مقولة لم انسها من وقتها وهي أنه علم نفسه أن يضع مشاعره ورغباته في جيبه بمعنى أن عقله هو المسيطر على حياته وبذلك لا يمكن أن تربك عواطفه خيارته العقلية ولا يمكن أن يحيد عن هدفه. وقال لي إذا أردت أن تحقق أمنيتك فما عليك سوى السيطرة على رغباتك وأن تحرص على أن تكون عواطفك ومشاعرك في جيبك وليس في جيوب الأصدقاء والأحبة. 

يومها عدت إلى البيت وأنا أفكر بعمق في كلامه الذي كان له وقع المطرقة على رأسي، كما ذكرتني مقولته بمقطع في أغنية للعملاق محمد عبد الوهاب يقول فيه " أنا من ضيع في الأوهام عمره" واستنكرت أن أكون هكذا وقررت أن أحاول أن أضع رغباتي الجامحة في جيبي كما يقول صديقي الجديد عسى أن أصبح دبلوماسيا وأرى العالم وهذا بالتأكيد أفضل من الموسيقي التي أستطيع أن أعود إليها في أي وقت.

وبدأت أقلد صديقي في كل شيء تقريبا ولم أعد أخرج مع أصدقائي كثيرا ولم أعد ألعب الشطرنج إلا مرة واحدة كل أسبوع مع صديقي الجديد ولم أعد أعزف الموسيقى إلا على جيتاري في البيت وأصبحت المذاكرة محور اهتماماتي. 
وفي نهاية العام الدراسي نجح صديقي في دخول كلية الطب بجدارة كما نجحت أنا في الانتقال إلى نهاية المرحلة الثانوية بتفوق. وبدأت أستعد في الاجازة الصيفية للعام الدراسي الجديد كما كان يفعل صديقي حتى أحقق أمنيتي. وتحولت بالفعل إلى ما يشبه الآلة المبرمجة. وبدأت أمي تقلق من عزلتي وتلح علي في الترفيه عن نفسي والخروج مع أصدقائي وهي التي كانت تشكو من كثرة تواجدي خارج البيت. 

وفي نهاية العام نجحت بتفوق ودخلت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والتي لم أتصور أبدا أن أكون واحدا من طلاب العلم فيها وأن أكون تلميذا لأساتذة عظام مثل د. بطرس غالي في العلاقات الدولية ود. رفعت المحجوب في الاقتصاد ود. حامد ربيع في العلوم السلوكية ود. صليب روفائيل في الرياضيات .....الخ

ولكنني أكتشف في السنة العامة الأولى أن عقلي يميل إلى الاقتصاد والرياضيات فتخصصت في الاقتصاد ابتداء من العام الثاني وواصلت اجتهادي حتى أكرمني ربي بعد تخرجي بالدراسة والعمل في الخارج. أما صديقي الذي أدين له بفضل كبير فقد فضل الاستقرار في مصر في عمله كطبيب ناجح وطوال أكثر من ثلاثين عاما لم أنقطع أبدا عن زيارته في مصر وحتى وفاته منذ عامين وكانت صدمة كبيرة لي. 

ولكن ما حدث لكلينا أثناء دراستنا الجامعية في مصر كان مفاجئ لنا حيث نضطر في كل جامعات الدنيا إلى الاختلاط بالجنس الآخر وهو زميلاتنا في الجامعة. وكما نعلم جميعا فإن الجامعة ليست محراب علم وأبحاث فقط ولكنها أيضا ساحة كبيرة للحب الأفلاطوني النبيل بين شباب الطلاب والطالبات. 
وأمام هذا التطور الجديد في حياتنا لم تشفع نظرية الآلة التي وضعها صديقي العزيز في النجاة بنا من مصيدة الحب التي أصابت الآلة التي كانت تعمل بداخل كل منا بعطب شديد. وخرجت مشاعرنا وعواطفنا من جيوبنا ولم تعد لها مرة أخرى من يومها حيث وقع صديقي في قصة حب عنيفة مع زميلة له جعلت منه شخصا آخر. ولم أكن أفضل حالا حيث أثبت بنفسي نظرية أن الحب ما هو إلا صداقة أو زمالة لا تلبث أن تشتعل فيها النار. وبالإضافة للحب فقد عدت إلى سيرتي الأولى في لعب الموسيقى في الجامعة ولعب الشطرنج والذهاب في رحلات مع والزملاء والزميلات....الخ  

وبعد التخرج بسنوات تزوج صديقي أولا وكنت أداعب زوجته قائلا: لقد حولت صديقي من آلة الى طفل صغير. وكانت تجيب وهي تضحك: وصديقك حولني من بنت عاقلة إلى فتاة مجنونة. 
إنه الحب الذي أثبت أن الإنسان لا يمكن أن يتحول إلى آلة، وحتى لو نجحنا في وضع مشاعرنا وعواطفنا في جيوبنا فإنها لا تلبث أن تنفجر وتخرج عن السيطرة عند أول اختبار حقيقي لها. 

نظرية صديقي صحيحة وقد ساعدتنا على النجاح والتفوق ولكنها نظرية هشة وذات أجل قصير ولا تستقيم على الأجل الطويل مع طبيعتنا البشرية المشحونة بالعواطف والمشاعر وحب الحياة.  
ومن لا يصدقني عليه أن يحاول وضع عواطفه ومشاعره في جيبه وهو أمام أولاده أو أحفاده وأن يبلغنا بالنتيجة.



د. محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي 
[email protected]


 

إقرأ ايضا