الشبكة العربية

الثلاثاء 14 يوليه 2020م - 23 ذو القعدة 1441 هـ
الشبكة العربية

وقائع حوار مع الرئيس محمد مرسي في مكتب الإرشاد

في أواخر عهد مبارك ، قبل ثورة يناير ، كان النظام قد بدأ يضيق بقوة على جماعة الإخوان ، وحاصرهم إعلاميا ، وقدم بعضهم للمحاكمات المتعسفة ، وبدا أنه قرر العصف بالجماعة وما يحدث هو مجرد تمهيد لعملية استباحة واسعة النطاق ، لشل قدراتهم على المشاركة في الانتخابات النيابية القريبة والتي قرر أن يصادر فيها البرلمان ولا يسمح لأي قوة معارضة بالوصول إليه .
في تلك الأثناء هرب كل أصدقاء الجماعة من التيارات المختلفة ، ونفضوا أيديهم منها ، فلا أحد يريد أن يتحمل تكاليف مواجهة مع نظام غلبه التهور وروح الانتقام ، وظهرت حملة إعلامية واسعة النطاق وعنيفة للغاية ضد الجماعة في الصحف الحكومية وكثير من الصحف الحزبية والمستقلة ، وأغلقت مساحات النشر أمام كتاب الإخوان ورموزهم .
كنا في "المصريون" ما زلنا موقعا إخباريا ، لم نتحول إلى صحيفة مطبوعة بعد ، حيث رفضت الجهات الرسمية كل محاولاتنا لاستخراج ترخيص صحيفة أو حتى ترخيص بالطبع في مصر كصحيفة أجنبية تصدر من بريطانيا ، لكن الموقع كان قد أحدث طفرة في الصحافة المصرية وحضورا كبيرا ، لدرجة أن الصحف الحكومية ووكالات الأنباء الدولية والصحف الخليجية كانت تنقل عنه انفراداته وأخباره بصفة مستمرة ، وحقق حضورا كبيرا في مختلف التيارات السياسية ، وليس الإسلامية وحدها ، كما حقق انتشارا واسعا بين المصريين في الخارج ، لدرجة أن القنصل المصري في سيدني وقتها ، كان يقول أن أول شيء يفعله في الصباح بعد أن يغسل وجهه هو مطالعة موقع المصريون ليعرف أحوال البلد .

في ذلك الوقت العصيب على الإخوان ، وجدنا أن مسؤوليتنا الأخلاقية ، كصحفيين ، أن نقف إلى جوارهم كتيار سياسي يتعرض لظلم واضح ، ومحاولة للعصف به بدون مستند من قانون ولا عدل ، رغم أن نشطاء الجماعة في تلك الأيام وقبلها كانوا يهاجموننا ويشتموننا ويتهموننا في شرفنا المهني ويصفوننا بأننا عملاء لتلك الدولة أو ذلك الجهاز الأمني ، ونحو ذلك مما درجوا على استخدامه من أدوات الترهيب والردع لكل من يحاول نقدهم أو يختلف معهم ، ويرسلون لنا التعليقات والرسائل البذيئة ، وكنا نتجاهل ذلك كله ، ونجتهد أن لا نجعله يؤثر في حيدتنا ومسؤوليتنا الأخلاقية في العمل الصحفي .

فتحنا صفحات الموقع لكتاب الإخوان ، فكانت هناك مقالات شبه يومية لكتاب بارزين من الجماعة مثل الدكتور محمد جمال حشمت والدكتور عصام العريان وغيرهم ، كما قمنا بحملة إعلامية مضادة للحملة على الجماعة ، وخسرنا فيها أصدقاء ، وأذكر أن المرحوم الصديق الأستاذ صلاح عيسى ، وكان من ضمن من شنوا الحملة على الإخوان فوجئ بعنف نقدي له وهجومي عليه دفاعا عن مرشد الجماعة .

نص مقال "خطيئة صلاح عيسى"
https://www.masress.com/almesryoon/24623

والحقيقة أن حملتنا في الدفاع عن الإخوان ، رغم اختلافنا السياسي معهم ، كانت مجازفة خطرة في ذلك الوقت ، وكان يمكن أن تنتهي بغلق الموقع واعتقال العاملين فيه ، لأن النظام كان متوترا في تلك الأيام وشديد العنف مع المعارضة ، لم نعبأ بذلك ، وكتبنا ما يمليه علينا ضميرنا .
فوجئت الجماعة بما حدث منا ، وشعرت بالامتنان لما نقوم به في الوقت الذي باعها فيه كل من كانوا يتقربون منها في أيام الصفاء والرخاء ، حتى فوجئت باتصال هاتفي يأتيني من شخص لم أكن أعرفه وقتها ، عرفني بنفسه أنه "المهندس علي عبد الفتاح" من مكتب إرشاد جماعة الإخوان ، وراح يثني على جهدنا وموقفنا "النبيل" ، وينقل إلينا شكر وامتنان فضيلة المرشد الدكتور محمد بديع ومكتب الإرشاد ، ثم ختم كلامه بقوله : فضيلة المرشد بنفسه يريد أن يحدثك لتقديم واجب الشكر ، وتكلم الدكتور بديع ـ فك الله ضيقته ـ وقتها بكلام أحرج أن أستعيده في تلك السطور ، ودعا لي وللموقع كثيرا ، ثم قال أنه يدعوني لزيارة مكتب الإرشاد لكي يقدم لي الشكر بكامله وأتناول معهم فنجان قهوة .

نص مقال "الغارة الأمنية الجديدة على جماعة الإخوان"
https://www.masress.com/almesryoon/24484

وقتها لم أكن أعرف أين يقع مكتب إرشاد الإخوان ، سوى أنه في منطقة "منيل الروضة" وسط القاهرة ، ثم أخذت تفاصيل العنوان من زملاء صحفيين ، وذهبت إلى الموعد ، فاستقبلني المرشد العام بحفاوة كبيرة ، ومر بي على أعضاء المكتب جميعا فردا فردا ليصافحوني ويوجهون الشكر ، حيث يبدو أنهم كانوا يتأهبون لاجتماع ، وكانت أول مرة أقابل الدكتور محمود عزت والدكتور محمود حسين والدكتور محمد مرسي وغيرهم .
بعد ذلك الاستقبال الحافل ، دعاني الدكتور محمد مرسي ، عضو مكتب الارشاد وقتها ، ورئيس الجمهورية فيما بعد ، إلى مكتب فرعي في المقر لكي نتناول بعض المشروبات ونتحدث في شؤون الصحافة وأحوالها في البلد ، والدكتور مرسي بلدياتي في الشرقية ، ودائرته الانتخابية تقع فيها قريتي هناك ، شيبة النكارية ، وحضر هذا اللقاء الأخ المهندس علي عبد الفتاح والأخ الدكتور جمال نصار ، وآخرون لم أعد أذكر أسماءهم .

فهمت أن الدكتور مرسي هو المشرف على قطاع الإعلام في مكتب الإرشاد ، فبعد التحية والتعارف فاجأته بسؤال محرج ، فقلت له : يا دكتور محمد ، أنت تدعوني هنا لتحتفلوا بي وتقدمون واجب الشكر ، مشكورين ، على تضامني المهني معكم في مظلمة رأيت أنكم تعرضتم لها ، لكن هل تعلم أنني عميل للمخابرات الإسرائيلية ، وأخي محمود سلطان عميل للمخابرات الأمريكية ؟! .
اندهش الرجل ـ رحمه الله ـ من السؤال ، وراح يتفرس في وجوه من حوله ، كأنه يسألهم عن مغزى هذا الكلام ، فقال الدكتور جمال نصار ، إنها أخطاء فردية يا دكتور ، ولا تعبر عن رأي الجماعة ، فنظر لي باستغراب وقال : إيه الحكاية ؟ قلت له أن هذه مقالات منشورة عندكم في الصفحة الرسمية لجماعة الإخوان ، تقول لأبناء الجماعة أنني عميل مخابرات إسرائيلية وأن أخي محمود عميل مخابرات أمريكية .
بدا الحرج شديدا على الجالسين معنا في الغرفة ، وقال المهندس علي أن هذه المقالات تم حذفها من الموقع ، فقلت له : لا ، لم تحذف ، وهات جهاز لاب توب لكي أستخرجها لك الآن من الموقع .

تعهد الدكتور مرسي أن يحقق في هذا الموضوع ، فشكرته ، وقلت له ، أن هذا العنف في خطاب الإخوان تجاه أي مختلف معهم يخيف الناس منكم ، ليس معقولا أن كل من يختلف معكم هو مرتزق أو خائن أو عميل مخابرات أو ساقط ، والناس تنظر إلى مثل هذه الاتهامات بقلق شديد ، فإذا كان هذا يحدث وليس بيدكم سلطة ، فكيف إذا كان بيدكم سلطة رسمية لتوجيه الاتهامات ، كيف سيكون حال المعارض لكم .
ثم أضفت ، أنا لم أطلب أبدا ، ولن أطلب ، ولا أقبل أساسا ، أن تدعمني الجماعة كما تدعم خصوم الإسلاميين أمثال إبراهيم عيسى بثلاثين ألف جنيه أسبوعيا ، لكن كل ما أتمناه أن تتوقف حملة التشويه والطعن في شرفنا المهني ، فنحن لا نمتلك حزبا ولا جماعة ولا تنظيما ننافسكم به ، لا نملك إلا أقلامنا وضمائرنا ، قاطعني المهندس علي عبد الفتاح وقال : نحن لا ندفع لإبراهيم عيسى مالا ، فأجبته على الفور : تشترون منه ثلاثين ألف نسخة أسبوعيا من صحيفته ، أليس كذلك ؟! .

بدا أن الجلسة توترت ، وتغيرت أجواء اللقاء ، فأراد الدكتور مرسي أن يخفف من أمرها ، فوعد بالتحقيق فيما جرى وأن مثل هذه الأمور إن حدثت أخطاء فردية لا تعبر عن الجماعة ومنهجها ، ثم جرى الحديث عن أحوال البلد وبعض الحديث الخاص عن دائرته الانتخابية وإخوان قريتنا ، حتى تصافحنا وغادرت المقر يومها وأنا أشعر أن هما قد انزاح عن قلبي ، لأني كنت أريد أوصل هذه الرسالة إلى قادة الجماعة ، وقد وصلت ، ورغم ذلك ، لم يتغير شيء بعدها ، واستمرت الشتائم والاتهامات ، ولكن من خلال تعليقاتهم التي كانت تسجل بغزارة على المقالات والأخبار التي ننشرها في الموقع ، وفيها بعض النقد لهم أو ما لا يعجبهم من آراء ، وكانوا وقتها من أنشط التيارات في متابعة المواقع الالكترونية ، وكانت بعض الشتائم والتعليقات بالغة الإسفاف والبذاءة ، لدرجة أنها أجبرتنا على اتخاذ قرار بحجب التعليقات لأنها تسيء إلى التيار الإسلامي إساءة بالغة ، أن تكون هذه أخلاق أبنائه وحصاد التربية التي يتلقونها في محاضن الدعوة .
وأنا أذكر ذلك توضيحا لمن يتصور أن ما أكتبه هنا هو رد على شتائم أنصار الجماعة أو هجومهم أو محاولتهم التشهير بي وبصحيفة المصريون ، فمثل هذه الشتائم والإساءات قديمة ومتواصلة منذ حوالي عشرين عاما ، ونتجاهلها ، ولا نسمح لها بأن توجه بوصلة رسالتنا الصحفية والسياسية ، وكنا ندافع عن المظالم التي تتعرض لها الجماعة في الوقت الذي كانت الشتائم والاتهامات مستمرة .

وإنما نشرت هذه السلسلة المختصرة من أوراق ثورة يناير بشكل متداعي لم أقصد له ولا خططت له ولا كنت أفكر فيه الآن ، ولكن بعض ما جرى من نقاش نبهني إلى أن صورة ما حدث ليست واضحة في أذهان كثيرين ، وأن التاريخ القريب يتم تزييفه ، وأن القيمة الوحيدة الباقية من مأساة الإسلاميين في تلك المأساة ـ دروسها ـ ستضيع ، ولن تتعلم الأجيال الجديدة منها شيئا ، وعندما لا تتعلم من أخطائك ستكررها ، وستدفع أجيال مقبلة المزيد من الدم والعمر والعرق والعذاب ، بدون أي معنى ولا داع ولا جدوى ، فقط سنعيد إنتاج المظلوميات وأحاديث التضحيات والبكاء على من قتلوا أو عذبوا أو شردوا ، وهي كلها ، وإن خدرت بعض النفوس ، إلا أنها ـ في المحصلة العملية ـ لا تسمن ولا تغني من جوع في دنيا السياسة وعالم الواقع .

رمضان كريم .
 

إقرأ ايضا