الشبكة العربية

السبت 21 سبتمبر 2019م - 22 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

لماذا يعتبر الأمريكيون موريتانيا نموذجا يحتذى به في التصدي للعنف الديني

موريتانيا
في مطلع مايو 2018، أصدر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بياناً حضّ فيه أتباعه على شنّ هجمات ضد الأجانب في بلدان الساحل، ومنها موريتانيا. وبعد انقضاء عامٍ تقريباً، لم ينفّذ الجهاديون هذا التهديد في موريتانيا، مايُسلّط الضوء على الشوط الطويل الذي قطعته البلاد بعد موجة الهجمات التي ضربتها في المرحلة بين 2005 و2011.2
في دراسة لمعهد كارنيجي، يجيب الباحث "فريدريك ويري" لماذا تعتبر التجربة الموريتانية نموذجا يحتذي به في مكافحة التطرف الديني، وفي السياق يقول "ويري" : منذ تلك الحقبة العنفية، أثبتت موريتانيا أنها عصيّة على الجهادية بطريقة لافتة، على الرغم من وجود عوامل تُغذّي التطرف، كالانقسامات الاجتماعية العميقة، والفساد، والسلطوية، واشتداد القنوط الاقتصادي، وتوافُر ملاذات جهادية آمنة وساحات معارك خارجية في الجوار، آخرها في مالي. ووفقاً لمصادر حكومية، تمكّنت موريتانيا من الصمود في وجه العاصفة لأسباب عدّة أبرزها الجمع بحنكةٍ بين الحوار مع بعض الجهاديين المسجونين وإعادة تأهيلهم وبين فرض عقوبة قضائية قاسية بحق آخرين، فضلاً عن تعزيز مراقبة المساجد والمدارس الإسلامية وترسيخ السيطرة عليها. وهذا الإجراء الأخير يبدو ذا أهمية بالغة في السردية الرسمية التي تعتبر أن التقليد التاريخي العريق للمدارس والتعاليم الإسلامية في موريتانيا يساهم في تحصين المتشددين المحتملين ضد أفكار الجهادية المضلَّلة. غير أن هذه السردية تؤدّي إلى التعتيم على الجذور الاقتصادية الاجتماعية الأكثر عمقاً لمسألة التطرّف بحسب رأي الباحث.
يقول "وري" إن بحثه استند إلى عمل ميداني، في موريتانيا ومقابلات مع مسؤولين ورجال دين ومع جهاديين سابقين، في هذه الأسباب الجذرية للتطرّف، وتضع تقييماً حول مدى ديمومة الرد الذي يلجأ إليه النظام، عبر تركيزه بصورة خاصة على استمالة الأئمة السلفيين الذين يعبّرون عن آرائهم بجرأة ويمتلكون روابط مع الجهاديين. وعلى الرغم من أن النزعة الجهادية العنفية غير سائدة في أوساط الإسلاميين الموريتانيين، إلا أن البلاد تنتج منذ وقتٍ طويل عدداً كبيراً من الجهاديين الذين ينضمون إلى المجموعات المقاتلة الإقليمية، ولاسيما نسبةً إلى عدد سكانها الصغير.
 يواصل الموريتانيون القتال في صفوف التنظيمات الجهادية في الساحل (ولاسيما في مالي)، ويتولّى بعضهم مناصب رفيعة – دينية وقانونية في معظم الأحيان - خصوصاً في تنظيم القاعدة.
في غضون ذلك، يُمنَح العلماء السلفيون الموريتانيون الذين كانوا سابقاً في السجون، هامشاً للخطابة والتكلّم في الشؤون السياسية – ويلامسون أحياناً حدود الدعوة إلى القتال – شريطة ألا يُشكّلوا تهديداً مباشراً للحكومة. كذلك تُجيز الحكومة لوسائلها الإعلامية نشر بيانات صادرة عن مجموعات جهادية في الصحارى والساحل.
إذن، يخضع العنف الجهادي في موريتانيا إلى الكوابح التي تفرضها القبضة القوية للدولة والوسائل العسكرية التقليدية لمكافحة الإرهاب، والتي يُخفِّف من حدّتها التساهل التكتيكي تجاه الإعلام الجهادي والإجراءات "الناعمة" مثل توسُّط أئمة لدى الجهاديين في السجون.

طرحت الحكومة هذا "النموذج الموريتاني" لإعادة التأهيل والممانعة المجتمعية واستيعاب الأئمة بمثابة نمط يمكن استنساخه في أماكن أخرى، واستضافت مؤتمرات لنشر هذه الفكرة.
يقول "ويري" إن مسؤوليين أميركيين قد عزفوا أحياناً على وتر هذا النهج، مشيدين بموريتانيا التي وصفوها بأنها نموذج يُحتذى في "التصدّي للتطرّف العنفي".
 لكن هذه الأساليب في التعاطي مع الجهادية العنفية – وبالطبع مع السلفية – ليست قابلة للاستنساخ بالضرورة؛ بل إنها نتاج التباسٍ مدروس ومقامرة سياسية، وبالتالي فهي غير موثوقة.

تستند سردية الحكومة الاحتفائية هذه، في نهاية المطاف، إلى أساسٍ متزعزع، ولاسيما على ضوء المشهد الاقتصادي والاجتماعي القاتم في البلاد، والفساد المستشري، والتشنّجات المجتمعية القائمة. وقد استغلّ المتطرّفون العنفيون هذه المحن في السابق.
 

إقرأ ايضا