الشبكة العربية

السبت 26 سبتمبر 2020م - 09 صفر 1442 هـ
الشبكة العربية

وثيقة بريطانية توقعت أزمة سد النهضة قبل 30 عامًا.. فماذا قالت عن مصر؟

2020_7_20_1_52_23_913

كشفت وثيقة بريطانية نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، أن التقدير البريطاني لأزمات المياه المستمرة بين مصر وإثيوبيا والسودان توصل، في عام 1990، إلى أن ثًنْي إثيوبيا عن تنفيذ مشرعات قد تضر بالمصالح المصرية، هدفٌ على مصر أن تدرك أن تحقيقه غير واقعي.

الوثيقة تعود إلى ما قبل ثلاثة عقود بعد أن واجهت مصر خلال عقد الثمانينيات (بين 1980- 1990) من القرن الماضي، مشكلة كبيرة بسبب الجفاف في حوض النيل الذي أدى إلى قلة المياه في بحيرة ناصر، التي تتجمع فيها المياه خلف السد العالي. 

غير أنه في عامي 1988 و1989 حدثت فيضانات بمعدل كبير، أنقذت البلاد من أزمة كانت أكبر من قدرة مصر على مواجهتها.

وفي حينهاالأثناء، نبه الخبراء البريطانيون إلى حقائق مثيرة للقلق هي:

أن "الحكومة المصرية لا يمكنها تقبل الوضع (مواجهة أزمات مياه متكررة)"، وأنه "ليس هناك ضمانة بأن تحدث فيضانات بهذا القدر(الذي وقع بين عامي 1988 و 1989) في المستقبل". فوضعت بريطانيا مشكلات مياه النيل ضمن قائمة اهتمامات سياستها الخارجية. وطلب وزير الخارجية دراسة لتقدير الموقف بشأن العلاقة بين دول حوض النيل، التسع وهي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا وزائير وروندا وبوروندي والسودان ومصر.

"هدف خيالي"

وفي شهر يونيو، أعدت إدارة البحوث والتحليل في قسم الشرق الأوسط دراسة بعنوان" نهر النيل"، ضُمت إلى وثائق السياسة الخارجية البريطانية.

وانطلقت الدراسة من حقيقتين ثابتتين مهمتين، أولاهما هي أن 86 في المائة من مياه النيل تأتي من المرتفعات الإثيوبية، وثانيتهما هي أن مصر تعتمد بشكل كامل تقريبًا على مياه النيل.

وحسب الدراسة البريطانية، فإنه "في سنوات الجفاف، يمكن أن يكون بيد إثيوبيا سلاح استراتيجي محتمل، أي أنها ستكون في موقف يتيح لها حبس المياه عن مصر والسودان. وهذا سوف يحقق المخاوف المصرية من الوقوع رهينة من جانب دولة منبع".

وتوقع البريطانيون أنه "من غير المرجح أن تشعر أي حكومة مصرية أنها قادرة على قبول موقف كهذا".

وعلى الرغم ن دعوته إلى ضرورة إبرام اتفاق دولي عام يضع إطارا للتعامل مع مياه النيل بين الدول المعنية، فإن تقدير الموقف البريطاني استبعد تحقق هذا الهدف على أرض الواقع.

وقال إن "التهديد بالاستخدام الاستراتيجي للخزانات الإثيوبية خلال أوقات الجفاف يُعقًّد بدرجة هائلة المفاوضات اللازمة لإبرام اتفاق دولي بشأن التنمية المستقبلية لحوض أعالي النيل."

ووفق الوثيقة البريطانية، فإن ذلك الرأي كان أحد استنتاجات توصلت إليها دراسة مماثلة أجراها المكتب الأمريكي لاستصلاح الأراضي بين عامي 1958 و1963.

وانتهت الدراسة الأمريكية أيًضا، حسب الوثيقة البريطانية، إلى أن "التنمية الرشيدة للنيل الأزرق المنسقة بين إثيوبيا والسودان لا يجب أن تؤدي إلى تقليل المياه المتاحة لمصر والسودان."

ورأت الدراسة أن الحكومة المصرية "بحاجة إلى مواصلة مساعيها الدبلوماسية لضمان ألا تفعل دول المنبع أي شيء يحرم مصر من المياه التي تحتاجها."

غير أنها أبدت تشاؤما إزاء إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل يحل مشكلة استخدام مياه النيل حلا جذريا.

وقالت إن "اتفاقا شاملا بين كل دول حوض النيل التسع يمكن أن يتيح المزيد من المياه لهم جميعا، غير أن هذا (الاتفاق) يظل هدفا مثاليا خياليا."

وأرجعت هذا التشاؤم إلى أسباب منها أن "حكومات دول المنبع لديها مشكلات أكثر إلحاحا لا بد من التعامل معها، إضافة إلى أن المنافع التي تعود عليها من تلبية مطالب مصر بشأن مياه النيل قليلة".

كما أن الخلافات السياسية بين الدول التسع "تقف أيضا حجر عثرة في طريق التوصل إلى اتفاق شامل."

ووفق هذا التقدير، فإن " على مصر أن تدرك أن ثني إثيوبيا والسودان- وهما أكثر دول المنبع أهمية في ما يتعلق بإمدادات المياه لمصر- عن فعل أي شيء يضر بالمصالح المصرية هو هدف أقل طموحا"، أي أنه طموح أكثر مما يجب وليس في الواقع ما يشير إلى إمكانية إنجازه.

لكن البريطانيين رأوا أن الظروف السائدة آنذاك تؤجل تفاقم أزمة مصر المائية إلى نهاية القرن العشرين.

وأوضحت دراستهم أنه "بينما من الرشد أن تهتم الدبلوماسية المصرية بهذه المسألة الآن، فإن حالة التخلف عن التنمية في دول المنبع الواقعة على ضفتي النيل تجعل من غير المحتمل أنها سوف تسبب أي ضرر جدي لمصالح مصر في مياه النيل قبل نهاية هذا القرن."

وقالت الدراسة "تأثيرات الجفاف (في الثمانينيات في مصر) كانت واضحة في ثلاثة قطاعات هي: الزراعة وتوليد الكهرباء والملاحة، أحد مصادر العملة الصعبة القادمة من السياحة النيلية".

ولفتت الانتباه إلى إدراك المصريين خطورة الموقف، فسعوا إلى ترشيد استخدام المياه. وضربت مثالا بقرار وزارة الأشغال والموارد المائية المصرية في شهر فبراير 1988 بتقليص مساحة زراعة الأرز، أكثر المحاصل استهلاكا للمياه.

وتنبأ البريطانيون في عام 1990 بالخلاف الحالي، الذي تفاقم مع بدء إثيوبيا في ما يبدو ملء الخزان وراء سد النهضة.

في حينه، قالت الدراسة البريطانية إن استخدام دول المنبع لكميات أكبر من المياه" سيمثل مشكلة لمصر" على المدى الأبعد.

وقالت "من غير المرجح أن يشكل هذا تهديدا لإمدادات المياه لمصر حتى القرن القادم (الحادي والعشرين الذي مر منه 20 عاما)، فقط بسبب طبيعة هذه الدول (دول المنبع) المتخلفة عن التنمية."

وأضافت أن "عدم الاستقرار السياسي والقيود على المعونات الخارجية سوف يبقي بالتأكيد على هذا الوضع على المديين القصير والمتوسط على الأقل."

لم تغفل الدراسة البريطانية، في حينها، رأي "بعض الخبراء الذين يعتقدون بأن ما يمكن أن تفعله إثيوبيا على النيل الأزرق وروافده لن يحرم مصر والسودان من قدر كبير من المياه".

لم يحدد البريطانيون مدى صحة هذا الرأي. غير أن دراستهم قالت "سواء كان هذا (الرأي) صحيحا أم لا، فإنه من الحكمة أن تحاول مصر الانخراط مع الإثيوبيين في حوار يمكن أن يؤدي إلى نوع ما من اتفاق دولي يجعل كل الدول الثلاث (إثيوبيا والسودان ومصر) التي تستخدم مياه النيل الأزرق تستفيد بدلا من أن تعاني."

وعلى الرغم من المساعي المصرية آنذاك لتحقيق هذا الهدف، انتهت الدراسة إلى أن "الإثيوبيين من ناحيتهم أظهروا ممانعة للانجرار إلى حوار بشأن موضوع النيل."

وأضافت أنه من الصعب تحديد ما يمكن أن تفعله مصر لضمان دفع إثيوبيا لأن تنحو منحى أكثر إيجابية.

وقالت "الدبلوماسية المصرية كانت بالتأكيد ناجحة في السنوات الأخيرة في إقامة علاقة ثنائية أفضل، غير أن هذا في حد ذاته لن يكون كافيا لإغراء الإثيوبيين على تقديم تنازلات في ما يتعلق بمصلحة مادية حيوية".

وأشارت إلى أنه ليس لدى مصر ما تعرضه فهي "لا تملك أموالا تقدمها."
 

إقرأ ايضا